غزة-واثق نيوز-تتعمّق أزمة المياه في قطاع غزة على نحو غير مسبوق، لتتحول من أزمة خدماتية مزمنة إلى كارثة إنسانية مركّبة، ترتبط مباشرة بتداعيات الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، وما خلّفته من دمار واسع طال البنية التحتية الحيوية، وعلى رأسها قطاع المياه. وبينما تتآكل مصادر المياه وتتراجع القدرة على إنتاجها وتوزيعها، يجد السكان أنفسهم أمام معركة يومية للبقاء، عنوانها الأبرز: البحث عن قطرة ماء.
في أحد مشاهد هذه المعاناة، تقف المواطنة شيماء أبو جاموس، وهي كفيفة، لساعات طويلة أمام خزانات المياه في خان يونس، تنتظر من يساعدها على تعبئة ما تيسر من احتياجاتها. قصتها ليست استثناء، بل تمثل صورة مكثفة لواقع آلاف العائلات التي باتت تعتمد على الآخرين أو على الحظ للحصول على المياه، في ظل نقص حاد وتراجع مستمر في الإمدادات.
هذا الواقع لا يقتصر على الفئات الأكثر هشاشة، بل يمتد ليشمل الأطفال، الذين اضطر كثير منهم لترك مدارسهم والانخراط في رحلة يومية شاقة لجلب المياه. فالطفل عبد الله صافي، كغيره من أطفال غزة، يستبدل مقاعد الدراسة بطوابير الانتظار، حيث يقضي ساعات طويلة يوميًا بحثًا عن الماء، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي أصاب مختلف مناحي الحياة.
دمار واسع وشلل في البنية التحتية ..
وتشير التقديرات إلى أن ما بين 90 إلى 95 بالمئة من مرافق المياه والصرف الصحي في غزة قد تعرضت للتدمير أو الضرر، بما يشمل الآبار ومحطات التحلية وشبكات الأنابيب، وهو ما أدى إلى فقدان الجزء الأكبر من مصادر المياه في القطاع.
هذا الدمار لم يقتصر على المنشآت، بل طال أيضًا الطواقم العاملة، حيث أدى استهداف مهندسين وعمال في قطاع المياه إلى تعطيل جهود الإصلاح والصيانة، وزيادة هشاشة المنظومة المائية.
ومع استمرار القيود على إدخال المعدات وقطع الغيار والوقود، تواجه البلديات عجزًا حقيقيًا في تشغيل ما تبقى من الآبار ومحطات التحلية، إذ لم تتمكن جهود الصيانة إلا من إعادة تأهيل جزء محدود من الشبكات، لا يتجاوز نحو 30 بالمئة، وفق تقديرات محلية.
شح حاد وتراجع خطير في الحصص اليومية ..
انعكس هذا الواقع مباشرة على حصة الفرد من المياه، التي انخفضت إلى مستويات خطيرة، إذ يحصل كثير من السكان على أقل من 6 إلى 7 لترات يوميًا للشرب، مقارنة بالحد الأدنى الذي توصي به الأمم المتحدة، والذي يتراوح بين 50 و100 لتر يوميًا للفرد.
كما تراجعت كميات المياه المنتجة بشكل كبير، حيث انخفضت الإمدادات اليومية إلى نحو مليون لتر فقط بعد أن كانت تقارب ثلاثة ملايين، وهو ما يغطي بالكاد جزءًا محدودًا من احتياجات السكان.
هذا النقص الحاد يدفع السكان إلى اتخاذ خيارات قاسية بين الشرب والطهي والنظافة، في ظل ارتفاع أسعار المياه بنسبة كبيرة وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل الحصول عليها عبئًا إضافيًا على العائلات التي فقدت مصادر دخلها.
مخاطر صحية وبيئية ..
لا تقتصر الأزمة على نقص الكميات، بل تمتد إلى تدهور جودة المياه، حيث تتعرض مصادر المياه الجوفية للتلوث نتيجة الاعتماد الواسع على الحفر الامتصاصية لتصريف المياه العادمة، خاصة في مخيمات النزوح المكتظة.
هذا الواقع أدى إلى انتشار الأمراض الجلدية والطفيليات في عدد كبير من مواقع النزوح، إلى جانب تسجيل حالات إصابة بأمراض معوية نتيجة استهلاك مياه غير صالحة للشرب، وسط بيئة تفتقر لأبسط مقومات النظافة والصرف الصحي.
ومع ارتفاع درجات الحرارة واقتراب فصل الصيف، تتزايد المخاوف من تفشي الأوبئة بشكل أوسع، خاصة في ظل تكدس أكثر من مليون نازح في مناطق تفتقر إلى شبكات الصرف الصحي، وتعتمد على حلول بدائية سرعان ما تتحول إلى مصدر خطر بيئي وصحي.
تراجع العمل الإغاثي وتعقيد الأزمة ..
وما زاد من تعقيد المشهد تراجع دور المؤسسات الإغاثية، بعد تقليص أو إيقاف عمل عشرات المنظمات الدولية التي كانت تسهم في توزيع المياه، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الاحتياجات الفعلية والكميات المتوفرة.
هذا التراجع، بالتزامن مع استمرار القيود على إدخال المساعدات، يهدد بانهيار المنظومة الإنسانية في القطاع، ويعزز من مظاهر “التعطيش” كجزء من الواقع اليومي الذي يعيشه السكان.
في ظل هذه المعطيات، يحذر مسؤولون من أن غزة مقبلة على صيف شديد القسوة، قد يشهد انهيارًا شبه كامل في منظومة المياه، نتيجة نفاد الوقود والزيوت وتعطل المولدات، إلى جانب غياب البدائل الفعالة مثل الطاقة الشمسية التي تعاني بدورها من نقص الصيانة والبطاريات.
ومع استمرار هذا الواقع دون تدخل دولي عاجل يضمن إدخال المعدات والمواد الأساسية، يبدو أن أزمة المياه في غزة مرشحة لمزيد من التفاقم، لتتحول من أزمة إنسانية حادة إلى تهديد مباشر للحياة، في قطاع يعيش أصلًا على حافة الانهيار.



