الكاتب : زياد خدّاش
(أنتم بلا قضايا ولا أحب نصوصكم، نصوصكم فضفضات ذاتية لا تروقني)، هذا ما يقوله دائماً لي عادل، والمقصودون هم مجموعة كبيرة سمّاهم لي بالاسم، منهم غسان زقطان ووليد الشيخ وأنا، عشرات المرات خضت معه نقاشاً حامياً، حول أن تحليل النص وتذوّقه وتقييمه ليس ملكك وحدك، فالكتابة مدارس، ولا شرط في الأدب أن تكون هناك قضية أو فكرة كبيرة، وحبكة واضحة، لا يفكر عادل حين يطلق تصريحاً نقدياً، ليس لأنه مندفع، أو صاحب تصفية حسابات شخصية، النص مقدس عند عادل، لا يهمه من كاتبه، هو صادق مع ذاته إلى أبعد الحدود، لا يكذب في التقييم الأدبي، الذي يعتقده هو الأنسب لتفسير عالم الكتابة، لا ينافق كاتباً ولا يمالئ صاحب منصب أو جاه أو حتى صاحب تاريخ أدبي وبصمة متميزة كمحمود شقير مثلاً. حين يطلق عادل تصريحاً نقدياً كالمذكور أعلاه، لا يقصد سوى قول الحقيقة التي يعتقدها، لكنه أيضاً (وهذا ما قلته له) قاس جداً، لا يحاول أن يخفف من حدة سيفه النقدي، احتراماً للكاتب وتاريخه، ومشاعره.
سأروي هذه الحادثة التي لن أنساها، في منتصف التسعينيات أو أقل، كان محمود درويش أمامنا في قاعة استقبال صاخب بوزارة الثقافة، انهمرنا عليه عناقاً وقبلات، وواضح أننا كنا نعانق بلادنا أيضاً، الموضوع ليس فقط رؤية شاعر قومي نحبّه أمامنا مباشرة، ثمة بعد وطني، محمود في فلسطين الآن، فلسطين سعيدة ونحن نكاد نطير من الحماسة والفرح لرؤيته بلحمه ودمه وسعاله أمامنا، كانت الجلسة دافئة جداً، والمشاعر متأججة بالحب والفخر، فُتح باب الأسئلة، كلنا سألنا محمود أسئلة لها علاقة بوصوله إلى الوطن بعد غياب طويل، وبقصائده التي هزتنا وأنهضتنا وبنتنا، وأسست ذائقتنا، وفجأة انتصب سؤال غريب: أستاذ محمود لماذا حذفت قصيدتك عابرون في كلام عابر من دواوينك الشعرية؟ أيضاً هناك قصائد كثيرة حذفتها لماذا؟ تغيّر وجه محمود، ضجت القاعة بالصياح على عادل: هل هذا وقت سؤال كهذا يا عادل، يا رجل شو قصتك ؟؟؟
عادل ليس حاقداً أو كارهاً أو متربصاً، قلبه أبيض وفارغ من السوء والشر، أنا أعرفه جيداً، وهو يعشق محمود درويش، أصلاً هو شبه متخصص في دراسته، وأتحدى أن يسأله شخص عن تاريخ حوار ما مع محمود، لديه ذاكرة قوية بخصوص تواريخ صدور الكتب والحوارات والأحداث الأدبية، ولديه عادة رائعة أحبها فيه: كثيراً ما أسأله عن حدث أدبي أو رواية ما أو تفاصيل في حياة كاتب، يجيبني عادل معتذراً بأنه لا يعرف، أقفل المكالمة وأعود إلى شأني، فيما بعد أفتح الـ»فيسبوك»، فإذا بعادل مالئ الدنيا نقاشاً حول سؤالي: (اتصل زياد تقريباً عند الساعة الثامنة وأربعين دقيقة ونصف الثانية، سألني كذا وكذا فلم أعرف، شعرت بالفضول، ونبشت الشبكة بحثاً، فعرفت بالضبط الإجابات، وهي كذا وكذا). طبعاً يشاركه في النقاش العشرات من متابعيه وطلابه ومحبيه وهم كثر. هذا جميل جداً، أحب فكرة أن عادل يعيش المعرفة، ينام معها، يتعارك معها، ويتنفس الأدب، يتغطى به، وأظنه يأكله ويشربه.
لا يستطيع عادل أن يفكر في سياق التصريح النقدي، وفي ملاءمته للجو، أم لا، قلت لكم هذا رجل صادق إلى درجة الرعب.
عادل متخصص في الأدب المقارن، فهو لا يقرأ رواية أو نصاً إلا ويحيلها إلى رواية لشخص آخر، ويا ويل الذي يقع أمام مدفعية مقارناته، أمامي تماماً، سأله أكرم هنية سؤالاً حاداً: يا زلمة أنت كل ما تقرأ رواية أو قصة بدّور على إشي سابق بشبهها؟ ارتبك عادل الذي يحب أكرم، لكنه لم يتراجع: نعم أفعل ذلك لأنه تخصصي.
مرة كتب عن كتاب جديد لمحمود شقير، ومحمود شقير يا جماعة، نزيه ومحترم وطيب إلى درجة لا تصدق، كتب عادل بما معناه أن هذا الكتاب مكتوب للمرة الثانية، وأنه قرأ أجزاء منه في كتاب قديم للكاتب نفسه. لكم أن تتخيلوا الجو كيف تكهرب، عشرات التعليقات تهنئ شقير بصدور كتابه وفجأة (بومممم)، يلقي عادل قنبلته، فتصيب شظاياها العالم كله. يا عادل يا صديقي، أرسل نقدك على الخاص، لماذا تصر على إشهاره؟ لكن عادل لديه دائماً إجابته الصارمة: أنا ناقد ومهمتي في الحياة أن أحلل وأقارن، وخلته يتابع: شاء من شاء أو أبى من أبى.
عادل صارم وعقلاني وبارد، لغته تشبهه تماماً، أظن أنه فشل ككاتب قصة بسبب انطلاق لغته من عقله وليس من قلبه، مثلاً راقبوا غياب لغة الاندهاش الطفولي التي نمارسها كلنا حين نقرأ نصاً مدهشاً، تعليقاته حتى المحبة منها تحت نصوص الآخرين التي أحبها، تخلو تماماً من صيغة يا إلهي وأخواتها.
في مرات كثيرة أقرأ نصوصاً مذهلة، تحتها تعليقات محتفلة ومتحمسة ومندهشة، وفجأة يقفز عادل: النهاية ركيكة بعض الشيء، أو مثلاً: كلمة طبائع أفضل من كلمة طباع.
ثمة نصوص لي على «فيسبوك» مجنونة، قديمة أو مواقف صادمة ومكتوبة، أخجل منها، لم يحبها الناس وتحتها عشرات الشتائم، فجأة أتفاجأ بالنص موجود مرة أخرى والشتائم الجديدة تتوالى، أدقق قليلاً، فإذا بعادل نبش النص بتعليق أو إشارة، أو بـ»تاغ» لاسمي. أتصل به محتداً: يا زلمة أنت بتحب اتشوفني تعبان ومقهور، مشان الله، ليش بتعمل في هيك، عادل بكامل صموده اللغوي واستقراره الذهني: لا يا زياد بس حبيت أنبش حيوية الفيس الخامدة، بدنا نقاش وأسئلة وحوار. وهو بالفعل لا يقصد إساءة، هو يحب إثارة الجدل والنقاش حول مسائل ثقافية. أهدأ وأعده بزيارة إلى نابلس القديمة، فيضحك ويقول: لن تأتي، أعرفك، ستخسر الكنافة والطعام الفاخر.
لا أستطيع أن أكره عادل، نقطة ضعفي أمامه هو صدقه الهائل في القول والفعل، ووضوح قلبه الطيب، وعزة نفسه، وكبرياؤه، وعزلته الرائعة التي فرضها على نفسه، تفادياً لتسطح حياته، أحب ابتعاده تماماً عن استخدام الكتابة في الانتقام أو التشويه أو الكراهية أو الإساءة، أو الاستفادة.
الكتابة طريقته في البقاء على قيد الحياة وفي التخلي عن الحياة العادية، الكتابة عنده استكشاف الغامض وغير المرئي، واستخدامها لضرب الزيف والتصدي للكذب.
عادل أستاذي في الإخلاص للكتابة، وعدم قابليتها للبيع أو الشراء.
ارفق بنا عادل واشرح حقيقتنا برأفة. كن رحيماً في أسلوب قتلنا. رشّ قليلاً من السكر أو الموسيقى على جثث نصوصنا، ثم غنِّ لأشلائنا قليلاً.



