كتب : عبد الفتاح جمال الدرعمي
في المجلس الثاني والتسعين من مجالس أسمار وأفكار، وعنوانه الاعتبار لأسامة بن منقذ ، يذكر الأستاذ الأديب أبو خالد الهاشمي أن من أسباب ميل الناس للسير الذاتية جمال أسلوبها وحسن مطلعها، واتخذ من كتاب الأيام للدكتور طه حسين مثلا، فهو يرى أن ليس في حياة الدكتور طه حسين شيء غريب، وأن ما يميز كتابه هو أسلوبه العذب، وأبرز أدواته الأسلوبية تمطيط الكلام، وهي أداة حلوة وعذبة.
ياتي إلى جملة: "أنا لا أذكر هذا التاريخ" فينفخ فيها فتصير ثلاثة أسطر، يقول في بداية الأيام:
"لا يذكر لهذا اليوم اسمًا، ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه الله من الشهر والسنة، بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتًا بعينه، وإنما يُقرب ذلك تقريبًا".
وفي ختام المجلس علّق الأستاذ محمد عبد الله لحبيب على هذه اللفتة أنه لم يكن ينظر لخاصية التمطيط عند طه حسين أنها خاصية جمالية، بل كان يضجر منها أحيانًا، وعزا هذا التمطيط إلى أنه كان يملي كلامه شفاهة ولا يكتبه، وأن الحكواتي يمطط الكلام ويمطط الأفكار.
وبعد خمس سنوات من هذا اللقاء الماتع أعلق على هذه المجالسة والمحادثة المفيدة أن هذا الضجر من تمطيط طه حسين مشترك عند من تأدب بأدب الرافعي ومال إليه في معاركه مع طه حسين، والتي كان منها هجوم الرافعي على أسلوبه وسخريته منه.
وللدكتور طه حسين في كتاباته تمطيط بليغ، وإيجاز بليغ أيضًا لكن لم يلتفت إليه، مثل قوله: "وكل امرأة في مصر محزونة حين تريد".
أما بالنسبة إلى سبب هذا التمطيط، فأعزوه إلى تربيته بين نساء قريته، والذي يذكر من صفتهن: "والنساء في قرى مصر لا يُحْبِبْنَ الصمت ولا يَمِلْنَ إليه، فإذا خلت إحداهن إلى نفسها ولم تجد من تتحدَّث إليه، تحدَّثت إلى نفسها ألوانًا من الحديث".
ويذكر أثر ذلك في نفسه: "وكان صاحبنا أسعد الناس بالاستماع إلى أخواته وهنَّ يتغَنَّين، وأُمه فغنَّت إن كانت فرحة، وعدَّدت إن كانت محزونة ... وكان صاحبنا أسعد الناس بالاستماع إلى أخواته وهنَّ يتغَنَّين، وأُمه وهي تعدِّد ... وعلى هذا النحو حفظ صاحبنا كثيرًا من الأغانى، وكثيرًا من التعديد، وكثيرًا من جِدِّ القصص وهَزْله".



