الكاتب : ابوعلاء منصور
في بيروت، قرأ أبو حسن قاسم مقطعاً من رسالة أرسلها تيسير أبو اسنينة من الداخل جاء فيه: "جهزتُ القاعدة لاستقبال الدورية.....". علق حمدي: "تيسير فدائي". قلت مزهواً: "أستاذ رياضيات". انفجرنا ضحكاً وقد علق قاسم: "وهل يشهد للعروس أكثر من ابنة خالتها؟ تيسير أهبل مثلك. ألست مدرس رياضيات كذلك؟ الرياضيات تلحس عقول أصحابها لدرجة قيل فيهم تندراً: مدرس الرياضيات يقول ا ويقصد ب والحقيقة ج". قال عدنان جابر: "انفتح قلبي لتيسير مذ جاءني أول مرة للتدريب في المعسكر. شابٌ جاد، يفيض بساطة وطيبة، ذكيٌ ويُتقن التعلم بسرعة، في وجهه براءة طفل، وفي نظراته حدة عين صقر. لكن الرياضيات لحست عقله كما قال قاسم، جعلته يبدو كمجنون يصعب فهم كلامه الذي ينطلق من بين شفتيه كرشاش بلكنة خليلية موغلة في القدم، كأنه جاء إلى مدينة الخليل مع سيدنا إبراهيم عليه السلام". قال حمدي: "حين التقيتُ تيسير وكان طالباً في الجامعة الأردنية، شعرتُ أنني عثرتُ على كنز، لكني مثل عدنان أجد صعوبة في فهم ما يقوله. يبدو مشوشاً أحياناً، ثم لا تلبث أن تدرك سريعاً أنه يعرف ما يريد". بعد مدة بدا عدنان مهموماً وهو يعبر زقاق بيته في "شارع لوبيا" بمخيم اليرموك في دمشق وهو يتهيأ لقيادة دورية الدبوية فهمس لنفسه: "من سيعتني بالمسكينة في غيابي؟ ربما تصاب بجلطة قاتلة حين تعرف أنني سأقود دورية فدائية إلى الداخل". جفّ ريقه حتى كاد يتلعثم وهو يفاتح زوجته نصف المشلولة بما ينويه وهما يحتسيان الشاي بعد الغداء: "حدثتك يا ابنة عمي عن حلم ذهابي بدورية إلى الأرض المحتلة. ها قد حان الوقت، ولن تطول غيبتي إن شاء الله. أثق بصبرك ولن يُقصّر رفاقي معك". ردت الزوجة بعيون ذابلة: "لم أكن لأتردد بموافقتك الرأي لو أن عندي ولدٌ أو أهل! ولو لم تكن صحتي كما ترى!". قالت ذلك وانهمرت دموعها، فاحتضنها متظاهراً التماسك. أمضى أيامه الأخيرة إلى جانبها، ثم غادر متخفياً وزميله ياسر زيادات إلى الأردن. في عمّان استقبلهما قاسم الذي سبقهما إلى هناك قبل شهرين. زودهما بهويتين إسرائيليتين مزورتين، وبمئتين وأربعين ديناراً، وحملهما فؤاد السروجي إلى "مزرعة الملاّحة" المحاذية للنهر. أمضى الفدائيان 23 يوماً في جبال قرية تياسير، ثم نقلهما عمر الحروب إلى الخليل. ظلت الأمور طبيعية في المخبأ الذي جهزه تيسير، حتى انزلقت قدم "عنزة" في باب مغارة تخفيها شجرة عنب. لن يخطر في بال الراعي أن تلك "الدالية" التي يعرفها منذ أعوام تحتضن عرين فدائيين. رفع حجراً محاولاً تخليص عنزته من مأزقها ففوجئ بالمغارة. هبط باحثاً عن "أنتيكة" يتاجر بها. بدلاً من ذلك وجد نفسه في مواجهة اثنين من المسلحين، فراح يهذي بكلام غير مفهوم ظاناً أنهما جنّيان. هدّأ عدنان روعه وأوصاه بحفظ السر. لكن من أذهلته المفاجأة لن يتحمل ثقلها. أخبر والده بما جرى، فهمس له الأب العبقري بلكنة خليلية محاولاً محو صورة الفدائيين من ذهنه: "أبردش عليك! إنت مسدئ إنهم فدائية! يو! منين بدهم ييجو الفدائية لهون؟! هدول يهود يا عمي. عليّ الطلاء يهود. اليهود شياطين! هدول يهود زي ما بؤلك! أبصر شو بعملوا هناكد؟! تجيبش سيرة لحدا زيّ ما بؤلك". رد الولد مرتبكاً: "بس مهم كلاشنات وبحكوا زيّنا". أجاب الوالد بصرامة: "يعني اليهود بعرفوش يحكوا عربي وما عندهمشي كلاشنات؟!". في الليلة التالية فوجئ الفدائيان بشخص يهمس من باب المغارة: "افتحوا، عليكم ألله وامان الله، أنزل ولا تطلعوا؟". كرر الهمس: "ابني راعي الغنم حكالي عنكم، ما تخافوش جاي أخدمكم". همس عدنان وقد تهيأ ورفقه للمواجهة: "انزل".



