مجد الكروم-واثق نيوز- فيما يأتي المداخلة التي القتها الباحثة في نادي القراء في مجد الكروم والموسومة بِ "تشكُلِ الرَؤْيا / تَقْويضُ
الثُّنَائِيَّاتِ: شِعْرِيَّةُ التَّجَاوُزِ كَأُفُقٍ جَمَالِيٍّ" وجاء في المداخلة :_
تَتَنَاوَلُ هذه المداخلةُ مَوْضُوعَ الشِّعْرِيَّةِ والتَّجَاوُزِ من خِلالِ مُقَارَبَةٍ نَقدِيَّةٍ مُتَعَمِّقَةٍ، تَرْكُزُ على تَجارِبَ شُعَرَاءَ بارِزِينَ هم: نَمُر السَّعْدِي، ونَاظِم حَسُون، وعُمَر هِنْدَاوِي. وهَـؤلاء الشُّعَرَاءَ يُمَثِّلُونَ تَجَسيدًا حَقِيقِيًّا لِمَفْهُومِ "شِعْرِيَّةِ التَّجَاوُزِ"، حَيْثُ يَتَجَلَّى هَـذا التَّجَاوُزُ من خِلالِ اخْتِراقِ الثُّنَائِيَّاتِ النَّقْدِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ، كالشَّكْلِ والمَضْمُونِ والذَّاتِ والمَوْضُوعِ. وَمِن ثَمَّ، يُشَكِّلُ هَـذا الاِخْتِراقُ فَضَاءً جَمَالِيًّا مُرَكَّبًا، يَسْتَشْرِفُ الكَثَافَةَ الدَّلالِيَّةَ وَالانْزِيَاحَ البُنْيَوِيَّ.
وتُؤَكِّدُ المداخلةُ على أنَّ اللُّغَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حَاوِيَةٍ لِلرُّؤْيَةِ، بَلْ هِيَ المُنْتَجُ الإِبْدَاعِيُّ الَّذِي يُسْهِمُ في تَشْكِيلِها. في هَذَا السِّياقِ، تَتَعَمَّقُ الدِّرَاسَةُ في تَحْلِيلِ النَّسِيجِ الشِّعْرِيِّ لَدَى الشُّعَرَاءِ الثَّلاثَةِ، مُسْتَشْفِةً آليَّاتِ أعمالِهِمْ، التِي تَكْشِفُ عَنْ شِعْرِيَّةِ المَكَانِ المَفْقُودِ. فَمَدِينَةُ حَيفَا عِندَ حَسُون، ومَدِينَةُ النُّحَاسِ عِندَ هِنْدَاوِي، وَالمَكَانُ الخَالِي مِنَ المَلَامِحِ عِندَ السَّعْدِي، تُعَبِّرُ جَمِيعُهَا عَنْ بُنًى دلالِيَّةٍ مُتَشَظِّيَةٍ، تَعْكِسُ تَجارِبَ المَنْفَى الدَّاخِلِيِّ وَالأَحْلَامِ المُؤَجَّلَةِ. ويُعَدُّ هَـذا الرَّصْدُ تَجَسيدًا لِلِاشْتِراكِ في هَمٍّ وُجُودِيٍّ جَامِعٍ للشعراء .
عَلَاوَةً عَلَى ذَٰلِكَ، تَتَنَاوَلُ المداخلةُ الكَثَافَةَ الاستِعَارِيَّةَ كَفِعْلٍ إِبْصَارِيٍّ، حَيْثُ تَتَجَاوَزُ الاستِعَارَةُ عِندَ هَـؤُلاءِ الشُّعَرَاءِ البُعْدَ الزُّخْرُفِيَّ لِتُصْبِحَ أَدَاةً لاستِبْطَانِ الذَّاتِ وَتَفْكِيكِ العَالَمِ مِنْ حَوْلِهِمْ. وتُظْهِرُ استِعَارَةُ السَّعْدِيِّ "الحُبُّ عَلَى عَرَبَةٍ مِنْ سُحُبٍ" وَمُقَابَلَتُهَا بِتَشْخِيصِ هِنْدَاوِي "الصَّمْتُ الرَّابِضُ" عُمْقًا نَقْدِيًّا مُشْتَرَكًا لِلْوَاقِعِ المُهَيْمِنِ .
أَمَّا فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِدِينَامِيَّةِ الإِيقَاعِ، فَتَتَمَثَّلُ في التَّكْرَارِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالتَّوْحِيدِ، حَيْثُ تُقَدِّمُ المداخلةُ مُقَارَبَةً إِيقَاعِيَّةً مُتَطَوِّرَةً تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الإِيقَاعِ المِعْيَارِيِّ. فيُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى التَّكْرَارِ كَآلِيَّةٍ دَلَالِيَّةٍ، حَيْثُ يُشِيرُ التَّحْلِيلُ إِلَى التَّبَايُنِ الوَظِيفِيِّ لَهُ. فَعِندَ السَّعْدِي، يُؤَسِّسُ التَّكْرَارُ لِفَضَاءِ الغِيَابِ النَّافِي مِنْ خِلَالِ "تَكْرَارِ لا"، بَيْنَمَا يَعْمَلُ حَسُون عَلَى تَكْثِيفِ التَّوَحُّدِ الإِيجَابِيِّ عَبْرَ "تَكْرَارِ التَّأْكِيدِ". وَيَنْتَقِلُ هِنْدَاوِي لِيُعَرِّيَ التَّوَتُّرَ الدِّرَامِيَّ بَيْنَ النَّصِّ وَالخِطَابِ الاجْتِمَاعِيِّ السَّائِدِ .
الإِيقَاعُ الدَّاخِلِيُّ و"البِنْيَةُ الدِّرَامِيَّةُ": الإِشَارَةُ هنا إِلَى تَشَكُّلِ الإِيقَاعِ مِنْ خِلَالِ التَّوَازِي التَّرْكِيبِيِّ وَالسَّكْتَاتِ المَدْرُوسَةِ عندَ نمر السعدي، أَوِ التَّدَفُّقِ الإِيقَاعِيِّ عند ناظم حسون،إنما تَكْشِفُ أَنَّ الإِيقَاعَ هُوَ نَتِيجَةُ تَفَاعُلِ المُسْتَوَيَاتِ البُنْيَوِيَّةِ لَيْسَ صَوْتِيَّتَهَا فَحَسْب. فإِشْكَالِيَّةُ الهُوِيَّةِ والتَّجْرِيب اللُّغَوِيُّ يَكْتَسِبُ عُمْقَهُ الفَلْسَفِيَّ مِنْ خِلَالِ رَبْطِهِ النَّقْدِيِّ لِتَوَظِيفِ الرَّمْزِ وَسُؤَالِ الهُوِيَّةِ؟!!.
الرَّمْزُ وَالأسْطَرَةُ كَاسْتِرَاتِيجِيَّةٍ تَشْكِيلِيَّةٍ: إنَّ الأَسْطَرَةَ عِنْدَ السَّعْدِي لَيْسَتِ اسْتِدْعَاءً مُجَرَّدًا لِـأوديس، بَلْ هِيَ تَحْوِيلٌ لِلتَّجْرِبَةِ العَاطِفِيَّةِ إِلَى رِحْلَةٍ مِيثُولُوجِيَّةٍ مُعَاصِرَةٍ، تَقْتَرِبُ مِنْ تَحْوِيلِ حَسُّون لِلْمَكَانِ إِلَى أُسْطُورَةِ فِرَاقٍ. كَمَا يُشِيرُ بِحِذْقٍ لتَحْوِيلِ هنداوي لِلْأَصْنَامِ والتي تعبرُ عن رَمْزٍ لِلسُّلْطَةِ المُسْتَبِدَّةِ !!!.
وسُؤَالُ الهُوِيَّةِ يُصَوِّرُ التَّحْلِيل عِنْدَ السعدي كَـ"رِحْلَةِ بَحْثٍ مُسْتَمِرَّةٍ" نَحْوَ "الأَنْدَلُسِ" المَفْقُودِ، وَعِنْدَ حسون كَـ"تَوَاصُلٍ" وَ"انْتِمَاءٍ عَمِيقٍ"، وَأما عِنْدَ هنداوي كَـ"مُقَاوَمَةٍ لِلنِّسْيَانِ". هَذَا التَّعَدُّد فِي زَوَايَا التَّنَاوُلِ يُؤَكِّدُ عَلَى أَصَالَةِ الإِشْكَالِيَّةِ الوُجُودِيَّةِ عِنْدَ الشعراء الثلاثة.
التَّجْرِيبُ اللُّغَوِيُّ والانْزِيَاحُ البُنْيَوِيُّ: يَنْجَحُ الشعراء في رَصْدِ آثَارِ التَّجْرِيبِ بَيْنَ مَزْجِ السَّرْدِ بِالشِّعْرِعندَ"السعدي"، وَالتَّنْوِيعِ الإِيقَاعِيِّ عند "حسون"، وَالبِنْيَةِ الدِّرَامِيَّةِ عندَ "هنداوي"، فالتَّجْرِيبُ لَيْسَ شَكْلِيًّا، بَلْ تَحْوِيلٌ بُنْيَوِيٌّ فِي جَوْهَرِ الكِتَابَةِ. وتشير ُ الدراسات النقدية التحليلية المكثفة لأعمال الشعراء ناظم حسون، عمر هنداوي، نمر السعدي، أنها تتشارك في منهجية المقاربة الأسلوبية والبلاغية والدلالية، ولكنها تتفرد في طريقة تفعيل هذه الأدوات لتشريح النصوص.
إن القراءة النقدية المثلى يجب أن تهدم الجدران الفاصلة بين ثنائيات الشكل والمضمون: فالبحر العروضي المقصود الشكل ليس مجرد قالب، بل هو وعاء إيقاعي يحمل شحنة المعنى "المضمون" ويُكثِّفها. ومما ميّزَ الشعراء الثلاثة:
القديم والحديث "التراث والمعاصرة":
إنَّ التناص ليس مجرد استحضار، بل تفعيل للقديم ليصبح جزءًا فاعلًا في صياغة المعنى المعاصر، وإلا تحوَّل إلى استعارة باهتة
الذات والجماعة: القصيدة تبدأ بالذات الشاعر لتنتهي بـ "أنا الجماعة" الوطن، القضية، الهم الإنساني، حيث يصبح الألم الفردي مرآة للألم الجمعي.
وتتميز الدراسات الثلاث بعمق منهجي واضح في تشريح المستويات اللُّغوية والبلاغية، ويمكن تلخيص مواطن القوة والعمق فيها على النحو التالي
الاستناد على ثراء اللغة ...
فالمعجم الشعري للمفردات المعجمية النادرة مثل: (أرَجْ، دعَجْ، لجَجْ) ودلالتها على الثقافة الموسوعية للشاعر ناظم حسون، تدلل على العمق ليس في الجزالة ذاتها، بل في المفردات التي تُستخدم لـ تعتيق المعنى العاطفي، مانحة الحُبّ بعدًا تاريخيًّا وثقافيًّا.
ويتضح أيضًا الإيقاع والوزن والربط بين اختيار البحور (الكامل) وجرس حرف الروي الراء المجهور،
يَـا حُـلْـوَةَ النَّـظَـرَاتِ يَـا سَـمْرَا
أُفْـدِي بِـرُوحِيَ الـظَّبْيَةَ الـسَّمْرَا
وأما الجيم الساكنة والحالة الشعورية. الروي هنا يتحول من وظيفة صوتية إلى وظيفة دلالية، حيث يصبح حرف الجيم الساكنة في أحد نصوصه جرس إنذار يُوقِف القارئ ليُمعِن الفكر في الشجن المتدفق فنجده ينتقي الألفاظ في الحشوِ ليعزز الإيقاع الذي يرسمُه الرّويُّ والقافية بطريقةٍ ذكيةٍ تَنُمُّ عن ثقافةٍ لغويةٍ غزيرة، وتجربةٍ شعريةٍ فريدة تُحسبُ له في ميزان الأسلوبية. ففي قصيدة " الحبّ"، يقول الشاعر حسون: ليس يُستحسنُ في حُكمِ الهَوى عاشقٌ يتقنُ توليفَ الحِجَجْ
روعةُ العِشقِ إذا ما صُنتَهُ فإذا بُحتَ ففي البوحِ سَمَجْ
واستعذ بالصَّبرِ إن هاجَ الهَوى لا ينالُ الوصلَ من فيهِ لَجَجْ
كما أنَّ الرويّ في النصِّ أعلاهُ هو (الجيمُ الساكنة) وهي قافيةٌ مجهورةٌ شديدة الجرس تنبه السامع ليُنصِت ويُمعِنَ الفكر.
والكشفُ عن وظيفةِ التكرارِ عند نمر السعدي يخلق الإيقاع الداخلي، ويعزز المعنى، ويوجه الانتباه، ويولد الفراغ والغياب كتكرار "لا" و"شاعر ما"، نجد التكرار هنا ليس مجرد تجميل، بل هو إيقاع للشَّرْخ النفسي. يقول:
لا ضبابَ على شجَرِ الزنزلختِ// ولا ضوءَ في قمَرِ العشبِ
لا نأمةٌ في قطارِ المساءِ// ولا أحدٌ في النشيدِ العموميِّ // وحدي فقطْ // وبلادٌ مفخَّخةٌ بالخرابْ
شاعرٌ ما.. غريبُ الخطى واللسانِ // شاعرٌ ما.. شريدٌ يفلُّ يديهِ// آسفٌ.. (شاعرٌ ماتَ ما شأنُ حزني بهِ فأنا لا أُفكِّرُ إلاَّ بكِ الآنَ// فقد تجلى تكرار "لا ولا " وشاعرٌ ما أعلاه في " وصايا العاشق" مُنتجةً في بنيتها الترديدية انزياحاً صوتياً يربط بين السابق واللاحق من أجزاء النص، حيث يربط المتلقي عند كل مسافة مع بداية النص ويشدّه للآتي. فالترديد ينتج ديناميكية تمنع النص من السكون، وتعكس توتر الوجود والبحث المستمر عن الذات وسط الخراب. فالتحليل العميق لتوظيف علامات الترقيم (النقاط، الاستفهام)، التقطيع، وتناوب السطور، والتكرار البصري في "للذئب عين وقلب". هذا هو موطن العمق المنهجي الأكثر جدارة، فالقصيدة تُقرأ بالعين قبل الأذن، ويصبح التشكيل البصري دلالة قائمة بذاتها تعبر عن الفوضى الداخلية والتوتر الهيكلي للنفس.
وعند عمر هنداوي نجد أن اللغة وأنواع الصورة الاستعارية المبتكرة، الرمزية، الحسية، وكونها "لبّ الرؤيا" وليست مجرد زخرفة، فالعمق هنا في هدم ثنائية الواقع والرمز. خاصة أن مدينة هنداوي ليست نحاسًا ماديًا (الواقع)، بل قناع رمزي للقمع والخوف، " يقول:
حاذِرْ بُنَيَّ ولا تغادرْ دارَنا
هذا الزمانُ مخادعٌ لا يرحمُ
فإذا خرجْتَ فإنَّ غولا واقفٌ
بعيونِه لهبٌ ونارٌ تضْرَمُ
أمٌ تقولُ والارتعاشُ يخونُها
دربُ المدينةِ يا بناتي معتمُ
حيث يتحول الجماد (الأصنام) إلى فاعل (تتكلم) ليعري النفاق السياسي، كذلكَ توظيفه التراث واستدعاء أسطورة امرئ القيس وإعادة تشكيلها كرمز للشاعر الملتزم الذي يرفض الاستلاب. هذا التوظيف يُحوِّل التراث من متحف إلى أداة مقاومة، حيث يصبح "امرؤ القيس" رمزًا معاصرًا لكرامة الشاعر وحريته في مواجهة السلطة، يقول عمر هنداوي:
خليليَّ مالي لا أرى الأهلَ أقْبلوا
لِلُقْيايَ وارْتَدَّتْ إلى الخلْفِ أرْجُلي
جُنودٌ على خيلٍ أحاطوا بناقتي
وقالوا : تراجَعْ يا امرأ القيسِ وارْحلِ
فتصوير الهم الوطني كـ "خلفية دائمة" وكيف تحوّلت قصائد الرثاء الشخصي إلى "قصيدة كونية عن الحب والفراق". الفقد الشخصي (الزوجة) يصبح بؤرة ينبعث منها ألم فقد الوطن، حيث يصبح الشوق للحبيبة معادلاً رمزيًا للشوق للأرض والحرية، مما يمنع الذاتية من الانغلاق!!.
وتَجاوَزَتْ المُقارَباتُ النَّقديَّةُ الحديثةُ تلكَ الثُّنائيَّاتِ التَّقليديَّةِ لتُؤسِّسَ رُؤيةً تَكامُليَّةً للنَّصِّ الشِّعريِّ عند شعرائنا. وكما يَرى رولانُ بارتْ: "التَّمييزُ بينَ الشَّكلِ والمَضْمونِ هو تَمييزٌ يَنتمي إلى النَّقدِ القديمِ"، فالنَّصُّ الشِّعريُّ كِيانٌ عُضويٌّ مُتكاملٌ تَتَماهى فيهِ البِنيةُ اللُّغويَّةُ معَ البِنيةِ الدِّلاليَّةِ في وَحدةٍ لا تَقبلُ التَّجزِئةَ.
المُعجمُ الشِّعريُّ وتَشكيلُ الرُّؤيا عندَ الشُّعراءِ الثَّلاثةِ
ناظِمُ حَسُّون: التَّوظيفُ المُتناغِمُ للبِنيةِ العَروضيَّةِ والدِّلاليَّةِ، ويتميَّزُ مُعجمُ ناظم حَسُّون الشِّعريُّ بِثَراءٍ لافِتٍ يَمزِجُ بينَ المُفرداتِ التُّراثيَّةِ والمُعاصرةِ، وتَبرُزُ فيهِ ثَلاثةُ حُقولٍ دِلاليَّةٍ رَئيسيَّةٍ: الحُبُّ، الطَّبيعةُ، والمَرأةُ. فمثلًا في قَصيدتِهِ "صَبراً على طولِ النَّوى صَبرا"، يَتناغَمُ إيقاعُ بَحرِ الكامل معَ التَّدفُّقِ العاطِفيِّ المُتسارِعِ، ويَأتي حَرفُ الرَّويِّ (الرَّاءُ) المَجهورُ ليُعزِّزَ الإحساسَ بالقُوَّةِ في مُواجهةِ أَلَمِ الفِراقِ. ويُوظِّفُ حَسُّون الانزِياحَ التَّركيبيَّ مِن خِلالِ التَّقديمِ والتَّأخيرِ، كما في قَصيدةِ "شَرَكُ الدُّنيا، فَيضَعُ "الشَّرَكَ" في بُؤرةِ الاهتِمامِ، مُشكِّلاً رُؤيةً فَلسفيَّةً عَميقةً للوُجودِ الإنسانيِّ
وأما الشاعر عُمَر هِنداوي: يقوم بتَوظيفُ الرَّمزِ والأُسطورةِ في تَشكيلِ الرُّؤيا، وَيتميَّزُ مُعجم هِنداوي بِتَوظيفٍ مُكثَّفٍ للمُفرداتِ التُّراثيَّةِ والصُّوفيَّةِ، حيثُ تَتحوَّلُ هذهِ المُفرداتُ إلى حَوامِلَ لِرُؤىً مُعاصِرةٍ، ففي قَصيدةِ "مَدينةِ النُّحاسِ"، يَستدعي الشَّاعِرُ عَناصِرَ مِنَ التُّراثِ ليُشكِّلَ مِنها رُؤيةً رَمزيَّةً للواقِعِ المُعاصِرِ، يقول:
دكّانُ حلوى أغلقتْ أبوابَها
منْ ألفِ عامٍ والذبابُ يحوِّمُ
سوقُ المدينةِ قفرةٌ تمشي بها
أشباحُ أهليها كماشٍ يحلُمُ
تَتحوَّلُ المَدينةُ هُنا مِن مُجرَّدِ مَكانٍ جُغرافيٍّ إلى فَضاءٍ رَمزيٍّ يَعكِسُ أَزمةَ الإنسانِ المُعاصِرِ.
وفي قَصيدةِ أخرى"في رِثاءِ زَوجتي"، تَتجاوزُ الصُّورةُ الشِّعريَّةُ مُجرَّدَ التَّشبيهِ السَّطحيِّ لِتُعبِّرَ عن حالةٍ وُجوديَّةٍ
قالوا تَصَبَّرْ فإنَّ الموتَ لا يذَرُ
كَيْفَ التصَبُّرُ هل في خافقي حجرُ؟؟!
ويَتميَّزُ مُعجمُ نمر السَّعديِّ في التَّشكيلُ البَصريُّ والصَّوتيُّ في بِناءِ الرُّؤيا بِتَوظيفٍ مُبتكَرٍ للمُفرداتِ الطَّبيعيَّةِ والكَونيَّةِ، حيثُ تَتحوَّلُ عَناصِرُ الطَّبيعةِ إلى رُموزٍ مَشحونةٍ بِدَلالاتٍ وُجوديَّةٍ وسِياسيَّةٍ. وفي قَصيدةِ "وَصايا العاشِقِ"يُوظِّفُ التِّكرارَ كآليَّةٍ إيقاعيَّةٍ ودِلاليَّةٍ، يقول: لا ضبابَ // ولا ضوءَ // لا نأمةٌ/ ولا أحدٌ
يَتحوَّلُ تِكرارُ أَداةِ النَّفيِ "لا" إلى بِنيةٍ إيقاعيَّةٍ تُشكِّلُ جَوهرَ الرُّؤيةِ الشِّعريَّةِ، مُعبِّرةً عن حالةِ السَّلبِ والغِيابِ، فالتِّكرارُ عند السعدي ليسَ مُجرَّدَ آليَّةٍ أُسلوبيَّةٍ، بل استراتيجيَّةٍ نَصِّيَّةٍ تُسهِمُ في تَشكيلِ البِنيةِ الدِّلاليَّةِ للنَّصِّ"
وفي قَصيدةِ "زَهرةِ النَّهدِ"، تَتداخَلُ مُفرداتُ الطَّبيعةِ معَ مُفرداتِ المَرضِ لِتَشكيلِ رُؤيةٍ شِعريَّةٍ عَميقةٍ، حيث جاء:
ما الذي ينبغي للقصيدةِ أن تقتفي ظلَّهُ
في ربيعٍ كهذا الربيع المصابِ بداءِ كورونا؟
وهذه هي النَّماذِجِ الشِّعريَّةِ للشُّعراءِ الثَّلاثةِ التي تتحدث عن تَجاوُزٍ فِعليٍّ للثُّنائيَّاتِ التَّقليديَّةِ بينَ الشَّكلِ والمَضْمونِ، حيثُ يَتحوَّلُ النَّصُّ الشِّعريُّ إلى كِيانٍ عُضويٍّ مُتكامِلٍ تَتَماهى فيهِ البِنيةُ اللُّغويَّةُ معَ البِنيةِ الدِّلاليَّةِ
فعِندَ ناظِمِ حَسُّون، يَتجلَّى هذا التَّجاوُزُ في التَّناغُمِ بينَ البِنيةِ العَروضيَّةِ والبِنيةِ الدِّلاليَّةِ، وفي تَوظيفِ الانزِياحِ التَّركيبيِّ لِخِدمةِ الرُّؤيةِ الشِّعريَّةِ
أَمَّا عِندَ عُمَرَ هِنداوي، فَيَتجلَّى في تَوظيفِ الرَّمزِ والأُسطورةِ لِتَشكيلِ رُؤيةٍ نَقديَّةٍ للواقِعِ الانساني، وفي تَحويلِ المَكانِ مِن فَضاءٍ جُغرافيٍّ إلى فَضاءٍ رَمزيٍّ يَعكِسُ أَزمةَ الإنسانِ المُعاصِرِ.
وعِندَ نَمِرِ السَّعديِّ، يَتجلَّى في تَوظيفِ التَّشكيلِ البَصريِّ والصَّوتيِّ لِخَلقِ فَضاءاتٍ دِلاليَّةٍ جَديدةٍ، وفي تَحويلِ عَناصِرِ الطَّبيعةِ إلى رُموزٍ مَشحونةٍ بِدَلالاتٍ وُجوديَّةٍ وسِياسيَّةٍ
إنَّ هذهِ التَّجارِبَ الشِّعريَّةَ الثَّلاثَ تُقدِّمُ نَماذِجَ مُتميِّزةً لِتَجاوُزِ الثُّنائيَّاتِ التَّقليديَّةِ بينَ الشَّكلِ والمَضْمونِ، وتَأسيسِ رُؤيةٍ شِعريَّةٍ تَكامُليَّةٍ تَنظُرُ إلى النَّصِّ كَبِنيةٍ عُضويَّةٍ مُتجانِسةٍ، تَتشكَّلُ فيها الرُّؤيا الشِّعريَّةُ مِن خِلالِ التَّفاعُلِ الخَلَّاقِ بينَ مُكوِّناتِ النَّصِّ المُختلِفةِ
وأخيرًا يُمَثِّلُ حَسُّون قُوَّةَ الْأَصَالَةِ الكِلَاسِيكِيَّةِ، وَيُجَسِّدُ هِنْدَاوِي عُمْقَ الرَّمْزِ وَالِالْتِزَامِ الوِجْدَانِيِّ، بَيْنَمَا يَنْخَرِطُ السَّعْدِي فِي تَفْكِيكِ البُنَى وَالتَّجْرِيبِ البَصَرِيِّ، فكُلُّ شَاعِرٍ يتميِّزُ بِأَدَوَاتِهِ، يُعَمِّقُ الرُّؤْيَا وَيُفَكِّكُ بَعْضَ الثُّنَائِيَّاتِ، مُقَدِّمًا مَادَّةً نَقْدِيَّةً عَمِيقَةً للمهتمينَ والمتابعينَ لشعرائنا .



