محليات

كفر عقب.. "القدس البديلة" تحت وطأة الاحتلال والاكتظاظ السكاني

47 مشاهدة
كفر عقب.. "القدس البديلة" تحت وطأة الاحتلال والاكتظاظ السكاني

كفر عقب-واثق نيوز-في أقصى الشمال الجغرافي لمدينة القدس، تقبع منطقة كفر عقب كواحدة من أكثر المناطق الفلسطينية تعقيداً وتناقضاً. فهي جزء من القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل عام 1967، لكن الجدار الفاصل الذي أقامته حول المدينة مما جعلها فعلياً خارج حدود القدس الإدارية، وفي الوقت نفسه، لا تتبع السلطة الفلسطينية، ما جعلها منطقة رمادية بامتياز .

اليوم، تستضيف كفر عقب والمناطق المحيطة بها (الرام، قلنديا، بيت حنينا، بير نبالا) أكثر من 300 ألف فلسطيني، يعيش غالبيتهم في ظروف اكتظاظ سكاني خانق، وحرمان من الخدمات الأساسية، وسط مخططات إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى تحويل هذه البقعة إلى ما يمكن وصفه بـ "قدس بديلة" . هذا التقرير الصادر عن الدائرة الاعلامية في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس،يحلل أسباب هذا التحول، ويدقق في تداعياته، ويستعرض سبل تعزيز الصمود في المدينة المقدسة.

كفر عقب... مدينة داخل العدم ..
تعاني كفر عقب من اكتظاظ سكاني هائل، حيث تبلغ مساحتها حوالي 865 دونما فقط، بينما يقدر عدد سكانها بنحو 180 ألف نسمة وفق تقديرات محلية، مما يخلق كثافة سكانية استثنائية . هذا الاكتظاظ هو نتيجة مباشرة لسياسة الاحتلال التي دفعت عشرات آلاف الفلسطينيين من حملة هويات القدس إلى النزوح إليها بسبب غلاء المعيشة وضيق الخيارات السكنية داخل حدود المدينة الأصلية .

وتعاني المنطقة من إهمال بلدي متعمد؛ فالبلدية الإسرائيلية لا ترسل مفتشيها إليها، مما خلق "كابوساً تخطيطياً وحلماً للمقاولين" على حد وصف أحد المراقبين . والنتيجة كانت بناء عشوائي، وانقطاع متواصل في المياه والكهرباء، وغياب شبه كامل للخدمات الصحية المتكافئة. اما السكان الذين يحملون هويات زرقاء فيعالجون في مراكز صحية إسرائيلية، بينما يحرم حملة الهويات الخضراء (الصادرة عن السلطة الفلسطينية) من ذلك ويضطرون للعلاج في مستشفيات رام الله الخاصة على نفقتهم الشخصية .

أسباب الهجرة من القدس ..
لم يكن النزوح إلى كفر عقب اختياراً، بل كان نتاج حرب اقتصادية ممنهجة شنتها سلطات الاحتلال الاسرائيلي على المقدسيين. ووفق تقييمات محلية، فقد استخدم الاحتلال "سلاح الجغرافيا" و"الحرب الاقتصادية" لدفع الفلسطينيين للخروج من قلب القدس . وتتجلى ملامح هذه الحرب في:

-قيود البناء المشددة: تفرض بلدية الاحتلال قيوداً شبه مستحيلة على منح تراخيص البناء للأحياء العربية في القدس، مما يجبر العائلات المتنامية على البحث عن مساكن خارج حدود البلدية حيث يمكن البناء (وإن كان بشكل عشوائي ومخالف للقانون الإسرائيلي) .
-ارتفاع جنوني في أسعار الشقق: نتيجة لقلة المعروض من الوحدات السكنية العربية في القدس وارتفاع الطلب، قفزت أسعار الشقق في الأحياء العربية بشكل خرافي، مما جعلها بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المقدسيين، وخصوصاً الشباب والعائلات محدودة الدخل.
-سياسة الضم الصامت: تهدف إجراءات الاحتلال إلى عزل الأحياء العربية الواقعة خلف الجدار مثل كفر عقب وشعفاط، وتحويلها إلى كانتونات معزولة جغرافياً، بهدف تقليص عدد السكان العرب داخل حدود القدس البلدية وتعزيز الأغلبية اليهودية فيها .
مخطط الاحتلال لـ "قدس بديلة" ..
تشير مصادر متطابقة إلى أن الاحتلال يعمل على مخطط استعماري خطير يهدف إلى "اختراع قدس جديدة" في منطقة كفر عقب . هذا المخطط لا يقتصر على إهمال المنطقة، بل يسعى إلى ترسيخها كبديل عن المدينة التاريخية للفلسطينيين، وفي الوقت نفسه، تحويلها إلى كانتون معزول يفصل شمال القدس عن محيطها الفلسطيني الطبيعي .

المستوطنة الضخمة في مطار قلنديا
في صلب هذا المخطط، تبرز خطة لبناء مجمع استيطاني ضخم على أراضي مطار القدس الدولي (قلنديا) شمال كفر عقب، يضم حوالي 9000 وحدة استيطانية، يُتوقع أن يسكنها نحو 45 ألف مستوطن . هذه المستوطنة الضخمة، التي تعمل إسرائيل على تذليل العقبات البيئية أمامها عبر تحويل 16 مليون شيكل لـ"تأهيل الأراضي الملوثة" ، ستكون بمثابة "قنبلة موقوتة" في قلب منطقة فلسطينية مكتظة، وستشكل عمقاً أمنياً للمستوطنين .

أهداف المخطط ..
-إنشاء كانتون استعماري يفصل شمال القدس عن رام الله، ويقطع التماس الجغرافي والديموغرافي الفلسطيني .
- تحويل الجدار الفاصل من خط عسكري مؤقت إلى حدود سياسية فعلية بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المستقبلية .
-طمس الرموز المؤسسية لوكالة الغوث الدولية "الاونروا" في المنطقة (مثل معهد التدريب المهني في قلنديا) كخطوة لتصفية قضية حق العودة للاجئين .
تعزيز الأغلبية اليهودية: وفق خطة اسرائيلية مسبقة، فإن إخراج أحياء مثل كفر عقب من حدود القدس البلدية يرفع النسبة اليهودية في المدينة من 59% إلى 68% .
تعزيز الصمود... 
في مواجهة هذه السياسات الإسرائيلية الممنهجة، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن تعزيز الحضور الفلسطيني في القدس وضمان بقائه قوياً؟ وهنا يبرز التساؤل : ما هو المطلوب رسمياً ؟ 
-إفشال مخططات الضم: مواصلة فضح المخططات الاستعمارية الإسرائيلية، والتوجه للمجتمع الدولي والمحاكم الدولية لإدانة انتهاكات القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية .
-دعم صمود المقدسيين من خلال توفير شبكة أمان مالية واقتصادية للعائلات المقدسية، وخصوصاً في قطاعات الإسكان والتعليم والصحة، لتثبيتهم في منازلهم داخل المدينة ووقف نزيف الهجرة إلى الضواحي.
-التخطيط العمراني البديل عبر العمل على مشاريع سكنية وتطويرية مدروسة في المناطق الفلسطينية من القدس، لتوفير بدائل سكنية بأسعار معقولة، وكسر احتكار الاحتلال لعملية التخطيط.
-تعزيز دور مؤسسات القدس من خلال دعم المؤسسات الوطنية والمجتمع المدني في المدينة، وتفعيل دور الأوقاف الإسلامية والكنائس في حماية الممتلكات والهوية العربية.
اما على المستوى الدولي فالمطلوب :
-رفض أي مخططات سياسية تسعى لفرض أمر واقع جديد يعترف بضم القدس أو بتقسيمها بما يخدم المشروع الاستيطاني .
-الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها ومطالبة المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بالضغط على حكومة الاحتلال لوقف سياسة هدم المنازل، وتراخيص البناء التمييزية، ومصادرة الأراضي.
-حماية الأونروا عبر العمل على توفير الدعم المالي والسياسي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين لتمكينها من الاستمرار في تقديم خدماتها الحيوية للاجئين في القدس والضفة، وإفشال المخططات الإسرائيلية لإنهاء دورها .
-دعم حق تقرير المصير والتأكيد على أن القدس الشرقية هي عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية، ورفض أي مقترحات تنتزع السيادة الفلسطينية عن أجزاء منها، خاصة تلك التي تقع خلف الجدار مثل كفر عقب .
القدس ليست مجرد مدينة ..
منطقة كفر عقب ليست مجرد حي فلسطيني يعاني من الإهمال، بل هي مختبر لمشروع استعماري يهدف إلى إعادة تشكيل هوية القدس وديموغرافيتها. فبينما يتم دفع الفلسطينيين إليها كملاذ أخير بسبب سياسات الاحتلال الاقتصادية والجغرافية، يتم التخطيط لتحويلها إلى جزء من "دولة فلسطينية" منزوعة الصلة عن المدينة التاريخية، أو إلى كانتون معزول يخدم الأجندة الاستيطانية.

يشار الى ان بقاء القدس عربية وفلسطينية يتطلب استراتيجية وطنية وعربية ودولية متكاملة، لا تكتفي بردود الفعل على المخططات الإسرائيلية، بل تستبقها من خلال مشاريع صمود ملموسة، ودعم سياسي وقانوني جاد، وإرادة جماعية على عدم التفريط بكل شبر من تراب المدينة المقدسة. فالمعركة اليوم ليست معركة حجارة فقط، بل معركة وجود وتخطيط وهوية، وكفر عقب هي إحدى ساحاتها الرئيسة.
 
 

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية