الاخبار الرئيسية

الحمّام في النزوح: حين تصبح أبسط حقوق الإنسان معجزة !

118 مشاهدة
الحمّام في النزوح: حين تصبح أبسط حقوق الإنسان معجزة !

الكاتب :د بسام سعيد
 
تتحدث سيدة من غزة عن تجربتها مع النزوح، فتقول إن أول ما يخطر ببالها كلما سمعت العالم يتحدث عن حقوق الإنسان هو "الحمّام"، ذلك التفصيل اليومي البسيط الذي تحوّل في حياتها وحياة آلاف النازحين إلى معركة من أجل الكرامة والبقاء.
في نزوحها الأول، كان الحمّام يبعد نحو 30 متراً في العراء بلا سقف، وتتشاركه 13 عائلة. تصف كيف كانت تمتنع عن شرب الماء لساعات طويلة كي لا تضطر إلى الذهاب إليه، خوفاً من انكشاف جسدها أمام السماء المفتوحة والعيون المتربصة، حتى باتت صحتها مهددة. أما في الليل، فقد أصبح الجردل الموضوع في زاوية الخيمة هو الحل الوحيد لوالديها المسنين، خاصة مع المرض وتقدم العمر. وكانت الروائح الخانقة تملأ المكان وتلتصق بالثياب، لتجعل من كل ليلة تذكيراً قاسياً بحقيقة الحياة التي فُرضت عليهم.
وتضيف أن الاستحمام كان معاناة أخرى لا تقل قسوة، خصوصاً في الصيف. فكانت تضطر إلى إخلاء مساحة الخيمة وإحضار جردل من الماء البارد في ظل شح مواد التنظيف، بينما تقف والدتها على الباب لتحرس خصوصيتها. وبعد الانتهاء، كانت تجد نفسها أمام خيمة تحولت أرضيتها إلى مستنقع من الطين، فتبدأ رحلة إعادة ترتيب المكان من جديد.
وفي النزوح الثاني، وجدت نفسها مع ثلاث عائلات أخرى تستخدم حفرة طينية بدائية تحت لوح من الزينقو وستائر من الأغطية البالية. وفي الشتاء، كان المطر يمتزج بالنجاسة وتنتشر الروائح الكريهة في المكان. ومع كل غارة أو قصف، كانت تهرع إلى الخارج خوفاً من أن تُدفن تحت الأنقاض في مكان لا يليق بالبشر. ومع ذلك، تؤكد أنها شعرت بشيء من الراحة حين كانت محاطة بعائلتها فقط، بعيداً عن مشاركة المكان مع غرباء.
أما في نزوحها الثالث إلى رفح، فقد كان وجود حمّام بجوار حائط حقيقي نوعاً من الرفاهية. مجرد حائط، لكنه كان يمنحها شيئاً من الشعور بالأمان والخصوصية.
وفي نزوحها الحالي، تصف واقعها بمرارة ممزوجة بالسخرية، فتقول إنهم يعيشون "قمة الترف" بوجود كرسي أبيض خلف شادر، وعلب منظفات تُستخدم بديلاً عن الشطاف. وتعتبر توفر المياه نعمة حقيقية، إذ يمكنهم جلب الماء للتنظيف بعد كل استخدام. لكن الليل يبقى أكثر الأوقات قسوة؛ فالبرد ينهش الأجساد، والكلاب الضالة تتجول حول الخيام، فيما تحلق الطائرات في السماء فوق رؤوسهم. وتتساءل: هل يراهم العالم حقاً؟ وهل يدرك أن مجرد الحصول على قدر من الستر والخصوصية أصبح في غزة إنجازاً يستحق الحمد؟
هذه ليست حكاية فردية، بل نموذج لواقع يعيشه مئات الآلاف من النازحين. وتشير تقديرات وتقارير ميدانية إلى وجود حمّام واحد لمئات الأشخاص في العديد من مراكز الإيواء، إضافة إلى انتشار الأمراض المرتبطة بتلوث المياه وسوء خدمات الصرف الصحي وانعدام الخصوصية، ما يحول أبسط الاحتياجات الإنسانية إلى مصدر يومي للمعاناة والخطر.
وفي ختام شهادتها، تطرح السيدة الغزية سؤالاً موجعاً يتجاوز الأرقام والإحصاءات: هل تستطيع امرأة تتابع الحرب من خارج غزة، مهما بلغ تعاطفها، أن تعيش تجربة كهذه؟ هل يمكنها أن تتخيل معنى أن يصبح الذهاب إلى الحمّام معركة يومية من أجل الكرامة، أو أن يتحول الاستحمام إلى حالة طوارئ، أو أن يصبح الستر حلماً؟
ثم تتساءل: هل ما يصل إلينا من تضامن هو فهم حقيقي لما نعيشه، أم أنه في كثير من الأحيان مجرد تعاطف افتراضي  واسطرة لأهل غزة تنتهي بمجرد إغلاق شاشة الهاتف أو مغادرة الفضاء الأزرق؟ وبينما يستمر العالم في المتابعة والتعليق، تبقى هناك نساء في غزة يعشن تفاصيل لا يمكن اختصارها بمنشور، ولا احتواؤها بصورة، ولا استيعاب قسوتها إلا بمعايشتها ، فإلى متى يستمر هذا الواقع الكارثى؟؟؟

 *أكاديمي وكاتب 

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية