آراء

الاردن خط الدفاع الأول أمام التهجير الناعم للشعب الفلسطيني

21 مشاهدة
الاردن خط الدفاع الأول أمام التهجير الناعم للشعب الفلسطيني

بقلم: اللواء بلال النتشة

لم تعد معركة الفلسطيني على أرضه تدور فقط في ميادين المواجهة العسكرية، ولم يعد التهجير بالضرورة مشهدًا صاخبًا تُفتح فيه الحدود وتُدفع قوافل البشر إلى خارج الوطن. ثمة شكل آخر أكثر خبثًا وخطورة، يتسلل ببطء إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويعمل على تحويل الأرض الفلسطينية إلى مكان يستحيل العيش فيه، بحيث يصبح الرحيل نتيجة تبدو، في ظاهرها، اختيارًا فرديًا، بينما هي في حقيقتها نتاج سياسة ممنهجة لصناعة اليأس ودفع السكان إلى مغادرة أرضهم.

ذلك هو "التهجير الناعم"؛ المصطلح الذي قد يبدو للوهلة الأولى أقل قسوة من الترحيل المباشر، لكنه في جوهره لا يقل خطورة عنه. فحين تُصادر الأرض، ويُحاصر الفلسطيني في رزقه، ويُمنع من الوصول إلى مصادر المياه والمراعي، وتُهدم المنازل، وتُغلق الطرق، ويتحول المستوطن إلى قوة أمر واقع، ويصبح الاعتداء على الإنسان وأرضه حدثًا متكررًا، فإن الرسالة تكون واضحة: اتركوا المكان، فهذه الأرض لم تعد لكم.

وليس هذا توصيفًا سياسيًا مجردًا، بل واقعًا باتت المؤسسات الدولية ترصده بوضوح. فقد حذر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الفلسطينيين يتسببان في تفريغ تدريجي لمناطق واسعة من الضفة الغربية، ولا سيما الأغوار، مشيرًا إلى أن هذا النمط يقوض الوجود الفلسطيني في مواقع استراتيجية بصورة متدرجة.

وفي أحدث إحاطة أممية أمام مجلس الأمن في أغسطس/آب 2026، وُصفت الضفة الغربية بأنها وصلت إلى "نقطة حرجة"، في ظل تصاعد العنف والتهجير وتوسع المستوطنات. وأشارت الأمم المتحدة إلى تهجير نحو 3,800 فلسطيني خلال عام 2026 وحده، وإلى تهجير أكثر من 6,390 فلسطينيًا من تجمعات كاملة أو جزئية منذ يناير/كانون الثاني 2023.

هذه الأرقام لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد إحصاءات إنسانية؛ فهي في جوهرها أرقام سياسية، لأنها تعكس تغييرًا تدريجيًا في شكل الأرض وسكانها، وتكشف أن الصراع لم يعد فقط على الحدود أو على نقاط جغرافية متفرقة، وإنما على سؤال أكبر: من سيبقى على هذه الأرض، ومن سيُدفع إلى خارجها؟

وهنا تحديدًا يصبح الأردن جزءًا أساسيًا من معادلة الصراع، لا طرفًا هامشيًا فيها. فالأردن ليس دولة مجاورة لفلسطين فحسب، بل هو الدولة التي تتصل جغرافيًا بالضفة الغربية عبر أطول حدود مباشرة، وهو الذي يعرف، بحكم التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، أن أي محاولة لتفريغ الضفة الغربية من سكانها لن تتوقف آثارها عند الخط الفاصل بين فلسطين والأردن. إن ما يحدث غرب نهر الأردن ستكون له تداعيات مباشرة على ما يحدث شرق النهر، ولذلك فإن حماية الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية ليست بالنسبة للأردن مجرد موقف تضامني أو خطاب دبلوماسي، وإنما هي قضية أمن وطني واستقرار إقليمي ومستقبل سياسي للمنطقة بأكملها.

من هنا يمكن فهم لماذا يبدو الموقف الأردني أكثر وضوحًا وحسمًا كلما تصاعدت مشاريع الاستيطان والضم والتهجير.فالأردن يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الفلسطينية ليس فقط تهجير عشرات أو مئات العائلات، وإنما تحويل التهجير التدريجي إلى واقع سياسي جديد، ثم محاولة تقديم هذا الواقع بعد سنوات باعتباره أمرًا طبيعيًا لا يمكن الرجوع عنه.

وهذه هي خطورة المشروع الذي يجري على الأرض. فالبداية قد تكون ببؤرة استيطانية صغيرة، ثم طريق يمنع الفلسطينيين من استخدامه، ثم منطقة يُمنع أهلها من الوصول إليها، ثم اعتداءات متكررة تجعل الحياة اليومية محفوفة بالخوف، ثم هدم منزل أو مصادرة أرض، وبعد ذلك تبدأ العائلات بالرحيل واحدة تلو الأخرى. وبعد أن يفرغ المكان من سكانه، يصبح من السهل إعادة تعريفه سياسيًا وقانونيًا، وإدخاله في منظومة الاستيطان، ومن ثم قطع التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.

وهكذا لا يحدث التهجير في يوم واحد، وإنما يحدث بيتًا بعد بيت، وعائلة بعد عائلة، وقرية بعد قرية. ولعل الأخطر أن العالم قد لا ينتبه إلى اللحظة التي يصبح فيها التغيير نهائيًا. فحين يُهجّر مجتمع رعوي صغير في الأغوار، قد لا تحتل الحادثة عناوين الصحف العالمية، وحين تُقتلع عائلة من أرضها في جنوب الخليل، قد تُقرأ الواقعة كحادث أمني منفصل، وحين تُصادر مساحات جديدة من الأراضي، قد تبدو المسألة كإجراء إداري أو قانوني. لكن جمع هذه الوقائع معًا يكشف صورة مختلفة تمامًا: إعادة تشكيل للضفة الغربية والقدس على الأرض، وإضعاف ممنهج لإمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.

وهذا ما يفسر التحذيرات الأردنية المتكررة من الاستيطان والضم والتهجير.ففي أغسطس/آب 2026، دان الأردن مع دول عربية ودولية استمرار السياسات الاستيطانية الإسرائيلية، وحذر من مخطط E1 الاستيطاني وما يرتبط به من إجراءات من شأنها تقويض التواصل الجغرافي بين الضفة الغربية والقدس الشرقية، مؤكدًا رفض التهجير القسري والضم وتغيير التركيبة السكانية للأرض الفلسطينية المحتلة.

إن الأردن، في هذه المواجهة، لا يدافع عن حدود جغرافية فحسب، بل يدافع عن فكرة الدولة الفلسطينية ذاتها.

فالضفة الغربية إذا جرى تقطيع أوصالها بالمستوطنات والطرق والمناطق العسكرية، وإذا تحولت الأغوار إلى منطقة خالية تدريجيًا من سكانها الفلسطينيين، وإذا جرى فصل القدس عن محيطها الفلسطيني، فإن الحديث عن حل الدولتين سيبقى مجرد شعار دبلوماسي لا يجد له مكانًا على الأرض.

ولهذا فإن المعركة على الأغوار ليست معركة هامشية، والمعركة على القدس ليست منفصلة عن المعركة على الخليل أو نابلس أو جنين. إنها معركة واحدة عنوانها الحفاظ على الجغرافيا الفلسطينية، وحماية الإنسان الفلسطيني، ومنع تحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم.

ومن هنا أيضًا تأتي أهمية الموقف الأردني من القدس، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ والدين والسياسة. فالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ليست مجرد ملف بروتوكولي في السياسة الأردنية، وإنما جزء من منظومة أوسع ترى أن حماية القدس وحماية الهوية الفلسطينية للمدينة هما جزء من حماية مستقبل القضية الفلسطينية نفسها.

لكن الأردن، مهما بلغ دوره، لا يستطيع وحده أن يحمل عبء هذه المواجهة. فالمطلوب اليوم أن تتحول التحذيرات الدولية من بيانات إلى سياسات، وأن تصبح حماية الفلسطينيين من التهجير التزامًا دوليًا فعليًا، وأن يجري التعامل مع الاستيطان باعتباره أداة لتغيير الواقع السياسي، لا مجرد مخالفة قانونية عابرة.

إن المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: هل سيكتفي بمراقبة الفلسطينيين وهم يغادرون أرضهم، ثم يصدر بيانات الأسف بعد فوات الأوان؟ أم سيتدخل لمنع الأسباب التي تدفعهم إلى الرحيل؟

فالإنصاف يقتضي القول إن منع التهجير لا يبدأ عند الحدود الأردنية أو المصرية أو غيرها، وإنما يبدأ داخل الأرض الفلسطينية نفسها؛ يبدأ عندما يكون الفلسطيني قادرًا على البقاء في أرضه، وزراعة أرضه، والوصول إلى مائه، وبناء منزله، وتعليم أطفاله، والعيش بأمان وكرامة.

أما أن تُجعل الحياة مستحيلة، ثم يُقال إن من غادر قد غادر بإرادته، فذلك قلب للحقيقة ومحاولة لإعادة تعريف الجريمة بلغة مختلفة.

إن الفلسطيني الذي يترك أرضه بعدما حُوصرت حياته من كل الجهات لا يكون قد اختار الرحيل بالمعنى الحقيقي؛ لقد جرى دفعه إليه دفعًا، وإن لم يُدفع عبر دبابة أو طائرة.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة "التهجير الناعم". إنه تهجير بلا مشهد واحد، لكنه يصنع النتيجة ذاتها.

تهجير لا يحتاج إلى إعلان رسمي، لأنه يحدث عبر تراكم الإجراءات والممارسات حتى تصبح الأرض طاردة لسكانها.

وفي مواجهة هذا المسار، يصبح الأردن بالفعل خط الدفاع الأول؛ لأن عمان تدرك أن أي خلل في المعادلة الفلسطينية سينعكس على الأردن، وأن أي محاولة لجعل الأردن وطنًا بديلًا للفلسطينيين هي في الوقت نفسه محاولة لضرب الدولة الأردنية واستقرارها ودورها.

ولهذا فإن الرفض الأردني المتمثل بجلالة الملك عبد الله الثاني، للتهجير ، ليس قابلًا للمساومة، وليس موقفًا مرتبطًا بظرف سياسي عابر. إنه موقف استراتيجي راسخ: فلسطين للفلسطينيين، والأردن للأردنيين، ولا وطن بديلًا، ولا حل للقضية الفلسطينية عبر نقل تبعات الاحتلال إلى دول الجوار.

إن أخطر وهم يمكن أن يقع فيه المجتمع الدولي هو الاعتقاد بأن التهجير يبدأ عندما تعبر الحشود الحدود. الحقيقة أن التهجير يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ عندما يفقد الإنسان القدرة على البقاء.

وإذا كانت هناك إرادة حقيقية لمنع التهجير، فإن المطلوب هو حماية الفلسطيني قبل أن يضطر إلى الرحيل، وحماية الأرض قبل أن تُصادر، وحماية القرية قبل أن تُفرغ، وحماية الأغوار قبل أن تتحول إلى فراغ جغرافي، وحماية القدس قبل أن يصبح تغيير واقعها أمرًا مفروضًا.

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب لا تُقتلع بسهولة من ذاكرتها وأرضها، لكن التاريخ أثبت أيضًا أن الاحتلالات الطويلة تراهن على الزمن، وعلى تعب الناس، وعلى اعتياد العالم على المشهد.

وهنا يجب أن يكون الموقف واضحًا: لن يكون الزمن حليفًا للتهجير. فالأرض الفلسطينية ليست مساحة قابلة لإعادة الرسم وفق ميزان القوة، والشعب الفلسطيني ليس كتلة بشرية يمكن نقلها من مكان إلى آخر، والأردن ليس ساحة خلفية لتصفية القضية الفلسطينية.

إن معركة اليوم هي معركة منع تحويل الاحتلال إلى ضم، والاستيطان إلى سيادة، والتهجير إلى أمر واقع، والصمت الدولي إلى غطاء سياسي.

وفي هذه المعركة، يقف الأردن في موقع لا يستطيع التنصل منه ولا يرغب في ذلك؛ مدافعًا عن أمنه الوطني، وعن حقوق الشعب الفلسطيني، وعن القدس ومقدساتها، وعن حل سياسي عادل يعيد للشعب الفلسطيني حقه في دولته المستقلة ذات السيادة على أرضه.

إن الرسالة الأردنية، في جوهرها، ليست موجهة إلى الفلسطيني وحده، وإنما إلى العالم كله: لا تراهنوا على الزمن، ولا تراهنوا على إنهاك الفلسطيني، ولا تراهنوا على أن التهجير يمكن أن يصبح مقبولًا إذا جرى تنفيذه ببطء.

فما يجري على الأرض اليوم سيحدد شكل المنطقة غدًا. ولهذا فإن حماية فلسطين من التهجير ليست مسؤولية فلسطينية فقط، ولا أردنية فقط، وإنما مسؤولية عربية ودولية، لأن السماح بإفراغ الأرض من سكانها هو إقرار عملي بأن القوة تستطيع أن تعيد رسم الجغرافيا والتاريخ معًا.

وفي اللحظة التي يصبح فيها الفلسطيني قادرًا على البقاء فوق أرضه بأمان وكرامة، تكون المعركة قد اتجهت نحو العدالة. أما إذا تُرك الفلسطيني وحيدًا أمام الاستيطان والعنف والمصادرة والحصار، فإن المجتمع الدولي لن يكون أمام أزمة إنسانية جديدة فحسب، بل أمام ولادة واقع سياسي جديد ستكون كلفته أكبر بكثير على الجميع.

ومن هنا، فإن الأردن لا يقف اليوم على هامش المشهد الفلسطيني، بل يقف في قلبه؛ ليس بحثًا عن دور، وإنما دفاعًا عن حقيقة استراتيجية يعرفها الأردنيون والفلسطينيون قبل غيرهم:

إن منع تهجير الفلسطينيين يبدأ من منع جعل فلسطين غير قابلة للحياة، وإن حماية الأردن تبدأ أيضًا من حماية حق الفلسطيني في البقاء على أرضه. وهذا هو جوهر الموقف الأردني، وهذه هي مسؤولية المرحلة، وهذا هو خط الدفاع الذي لا يجوز أن يسقط.

فلا تهجير ناعمًا، ولا وطنًا بديلًا، ولا ضمًا للأرض، ولا اقتلاعًا للإنسان... وفلسطين تبقى لأهلها.

*الامين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس