رئيس التحرير

الانتخابات التشريعية بين الضرورة والممكن

24 مشاهدة
الانتخابات التشريعية بين الضرورة والممكن

الكاتب: واصل الخطيب

رئيس التحرير
في لحظة سياسية دقيقة ومفصلية، تتصدر الانتخابات التشريعية واجهة النقاش الفلسطيني، ليس باعتبارها مجرد استحقاق دستوري مؤجل، بل كجزء من معركة الحفاظ على المشروع الوطني وتجديد الحياة السياسية وتعزيز شرعية المؤسسات. فبعد ما يقارب عقدين من الغياب، تحدد موعد لإجراء الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مما يعيد فتح نقاش قديم يتجدد كل بضع سنوات حول العلاقة بين ضرورة إجراء الانتخابات وإمكانية نجاحها في ظل واقع معقد ومتشابك.

لماذا الانتخابات اليوم؟
لا يختلف اثنان على أن الحاجة إلى الانتخابات أصبحت ضرورة وطنية لا غنى عنها. فغياب المجلس التشريعي المنتخب على مدار عشرين عامًا حرم الحياة السياسية الفلسطينية من أدواتها الأساسية في الرقابة والمساءلة ومناقشة الموازنات والتشريعات، وحلّت محلها قوانين مؤقتة ومراسيم وقرارات، دون أن يكون هناك برلمان يمارس دوره المناط به.

وتتجلى هذه الضرورة في عدة جوانب:

أزمة شرعية متفاقمة: يعيش النظام السياسي الفلسطيني أزمة شرعية نتيجة انتهاء الولايات الدستورية لمؤسساته ورموزه بلا استثناء، وتأتي الانتخابات كمحاولة لتجديد هذه الشرعية وإعادة بناء العقد الاجتماعي بين السلطة والمجتمع.
إنهاء الانقسام: تمثل الانتخابات خطوة أساسية لإصلاح النظام السياسي وإنهاء حالة الانقسام التي طال أمدها، وإعادة بناء المؤسسات على أسس الديمقراطية التشاركية.
مواجهة الاحتلال: كما يرى البعض، فإن استمرار الانقسام وشلل المؤسسات يخدم الاحتلال ومشاريعه الرامية إلى إضعاف الجبهة الداخلية الفلسطينية. فالانتخابات ليست رهينة للظروف، بل جزء من مواجهتها.
إفساح المجال للأجيال الجديدة: تشكل الانتخابات فرصة لتجديد دماء المؤسسات وفتح الطريق أمام أجيال جديدة للمشاركة في صنع القرار.
 
ثانياً: الممكن.. ما هي فرص النجاح؟
غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق بـ"لماذا" الانتخابات، بل بـ"كيف" يمكن إجراؤها في ظل الظروف الراهنة. فهنا تبرز الفجوة الواسعة بين فكرة الانتخابات وشروطها السياسية والقانونية والوطنية.

فالانتخابات في جوهرها ليست مجرد صناديق اقتراع وأوراق تصويت، وإنما عملية سياسية وقانونية ومجتمعية متكاملة، تقوم على بيئة آمنة ومؤسسات فاعلة وضمانات للنزاهة وحرية للتنافس. وهي ممارسة ديمقراطية تحتاج إلى أرض مستقرة وسيادة كاملة وإرادة حرة.

والواقع أن هذه الشروط جميعها غير متوفرة في المشهد الفلسطيني الراهن:

غزة ليست بخير، وتحت وطأة حرب إبادة وخراب. والضفة الغربية تعيش أوضاعاً متدهورة، مع اقتحامات يومية واجتياحات من جيش الاحتلال، واعتداءات المستوطنين، واستيطان متصاعد يقطع أوصالها. والقدس تتعرض لموجات من التهويد والاستيطان الإحلالي بشكل غير مسبوق، وتغدو مسألة مشاركة أهاليها في الانتخابات محوراً إشكالياً حاسماً. كما ان سيادة السلطة مجتزأة وفي أدنى حدودها، ولا تسيطر على مساحة الوطن.
 
ثالثاً: بين الضرورة والممكن.. أين المخرج؟
هنا تبرز معادلة معقدة: هل الحكمة تقتضي إجراء الانتخابات في ظل هذه الظروف العصيبة، أم تستدعي تأجيلها إلى وقت يكون فيه الواقع أفضل؟

يرى البعض أن الانتخابات، حتى لو كانت ضرورية من حيث المبدأ، فإن ضرورتها الآن تخضع لاعتبارات تختلف عن اعتبارات المبدأ والدورية. فالذهاب إلى الانتخابات في ظل واقع محتل ومحاصر قد يحوّلها من استحقاق ديمقراطي إلى استحقاق شكلي.

في المقابل، يرى آخرون أن الانتخابات لا يجب أن تكون رهينة للظروف، بل جزء من مواجهتها. ففلسطين ربما تكون الحالة الوحيدة عالمياً التي تطالب بإجراء انتخابات تحت الاحتلال، وهذا يفرض تحدياً استثنائياً، لكنه لا يعني التخلي عن الحق الديمقراطي.

 
رابعاً: الشرطان الأساسيان
في خضم هذا الجدل، يبرز شرطان أساسيان لا بد من توفرهما لإنجاح أي عملية انتخابية:

الشرط الأول: وحدة الوطن
الانتخابات شرطها الأساس وحدة الوطن، وقدرة السيطرة على مساحة أراضيه. فلا يمكن الحديث عن انتخابات وطنية حقيقية في ظل انقسام جغرافي وسياسي بين الضفة وغزة، وتغول الاحتلال في القدس. فالانتخابات التي تعيد بناء العقد الاجتماعي الفلسطيني وتؤسس لشراكة وطنية حقيقية، لا يمكن أن تقوم على أرض مجزأة.

الشرط الثاني: السيادة والاستقلال
لا يمكن إجراء انتخابات حرة ونزيهة من دون سيادة وطنية تسمح بحماية صناديق الاقتراع، وضمان حرية التنقل والترشح والاختيار. فكيف ستسلم صناديق الاقتراع من اعتداءات المستوطنين، وكيف ستنجو من جنود الاحتلال في غزة والقدس؟

وهذان الشرطان – وحدة الوطن والسيادة الكاملة – هما ما يحوّل الانتخابات من مجرد إجراء شكلي إلى استحقاق ديمقراطي حقيقي. وفي غيابهما، تتحول الانتخابات من حق إلى ملف تفاوضي يخضع لموازين القوة، لا للقانون أو الديمقراطية.

تقف الانتخابات التشريعية الفلسطينية عند مفترق طرق حاسم بين الضرورة التي تفرضها أزمة الشرعية والانقسام وشلل المؤسسات، وبين الممكن الذي تحدده ظروف الاحتلال والانقسام وغياب السيادة. ولعل السؤال الأعمق ليس "هل ستُجرى الانتخابات؟" بل "هل يمكن أن تكون انتخابات حقيقية تعيد بناء النظام السياسي على أسس جديدة، أم أنها ستكون مجرد إعادة إنتاج للواقع القائم تحت مسمى الديمقراطية؟"

إن نجاح الانتخابات يتطلب إرادة سياسية جماعية، ووعياً وطنياً باستثمارها كمدخل للتوافق لا للخلاف، وتوفير بيئة سياسية وقانونية وأمنية تمكن المواطن من أن يشعر بأن صوته سيُحدث فرقاً. وفي النهاية، تبقى الانتخابات أداة، وليست غاية، ورهانها الحقيقي في قدرتها على أن تكون خطوة نحو إنهاء الانقسام وبناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية.