محليات

سحب شهادة الدكتوراه من الفيزيائي وفيلسوف العلوم الشهير إتيان كلاين

51 مشاهدة
سحب شهادة الدكتوراه من الفيزيائي وفيلسوف العلوم الشهير إتيان كلاين

باريس - واثق نيوز-  سحبت جامعة باريس سيته، أخيراً، شهادة الدكتوراه من الفيزيائي وفيلسوف العلوم الشهير إتيان كلاين، بعدما أفضى التحقيق إلى انتحاله أجزاء واسعة من أطروحته تقارب الثلثين، ما جعل مكانته موضع مُساءلة، إلى جانب منعه من التسجيل مجدداً لنيل هذه الدرجة العلمية.

إذا كان ثمّة وجه علمي في فرنسا اليوم يمكن أن يتعرّف إليه جمهور واسع لا يتابع عادةً شؤون الفيزياء أو العلوم، فهو إتيان كلاين. ذلك أنّ الفيزيائي وفيلسوف العلوم لم يبنِ شهرته بفضل مساره الأكاديمي، بل من حضور متراكم، على مدى أكثر من 15 عاماً، في البرامج الإذاعية والتلفزيونية والمحاضرات والكتب الشعبية المخصّصة لتبسيط العلوم، جاعلاً الحديث عن الزمن والفيزياء الذرية وبدايات الكون ونظرية النسبية مواداً مألوفة خارج الدوائر المتخصّصة. غير أنّ مكانته هذه باتت موضع مُساءلة في الأيام الأخيرة، بعدما سحبت منه جامعة باريس سيته شهادة الدكتوراه التي حصل عليها عام 1999 في فلسفة العلوم، استناداً إلى تحقيق خلص إلى انتحاله أجزاء واسعة من أطروحته.

وكشف موقع آريه سور إيماج، في 11 يونيو/حزيران الجاري، عن قرار الجامعة سحب الدكتوراه من كلاين ومنعه أيضاً من التسجيل مجدداً لنيل هذه الدرجة العلمية في أيّ من جامعات فرنسا، بعد تحقيق داخلي في القضية استمر نحو عشرين شهراً. ولم تنشر جامعة باريس سيته بياناً تفصيلياً في الموضوع، لكنها أكّدت، في رد نقلته وكالة فرانس برس، أنها اتخذت قرارات "بحق المعنيّ وجرى إبلاغه بها"، رافضةً الإدلاء بمزيد من التوضيحات. وبحسب "آريه سور إيماج"، فقد أفضى التحقيق إلى أن الانتحال لا يقتصر على مقاطع محدودة، بل يطاول نحو ثلثي الأطروحة التي ناقشها كلاين في جامعة باريس ديدرو (اندمجت عام 2019 بجامعة باريس ديكارت وحملتا اسم باريس سيته)، قبل أن تصدر عام 2000 في كتاب بعنوان "وحدة الفيزياء".

ولا تكمن استثنائية القرار في ندرة هذا النوع من العقوبات داخل الحقل الأكاديمي الفرنسي فحسب، بل وكذلك في مكانة الشخص الذي يطاوله. إذ إنّ لكلاين، البالغ من العمر 68 عاماً، والحاصل أيضاً على شهادة في الهندسة، موقعاً أكاديمياً بارزاً في بلده، وإن كان هذا الجانب من سيرته أقل شهرة من حضوره الإعلامي. فهو يشغل منصب مدير أبحاث في "مفوضية الطاقة الذرية والطاقات البديلة"، وسبق له أن درّس في المعهد الوطني للعلوم والتقنيات النووية، كما عمل، في التسعينيات، ضمن الفريق الذي صمّم مُصادِم الهدرونات الكبير، الذي يُعَدّ أكبر مسرّع جُسيمات في العالم، والناشط حتى اليوم بالقرب من الحدود الفرنسية السويسرية. وهذا ما يعطي العقوبة وقعاً مضاعفاً، باعتبارها لا تقتصر على سحب شهادة قديمة من شخصية باتت على درجة واسعة من الشهرة فحسب، بل تطاول جزءاً أساسياً من الشرعية العلمية التي أتاحت لكلاين، طوال أعوامٍ، أن يكون مرجعاً عاماً في الحديث عن العلم والحقيقة.

ويمثّل قرار الجامعة، الترجمة الرسمية الأولى لاتهامات بالانتحال تلاحق كلاين في الصحافة الفرنسية منذ أعوامٍ. ففي عام 2016، نشرت أسبوعية "لكسبريس" تحقيقاً يفيد باقتباس كلاين مقاطع من أعمال كتّاب ومفكّرين وشعراء، مثل غاستون باشلار وبول فاليري وشتيفان تسفايغ، من دون الإحالة إلى نصوصهم، في كتابه الصادر حديثاً آنذاك "البلد الذي سكنه آينشتاين"، وفي العديد من مقالاته وبرامجه. وتسبّب التحقيق بإعفائه من منصبه رئيساً للمجلس الإداري لمعهد الدراسات العليا في العلوم والتكنولوجيا، كما فتح الباب على العديد من التحقيقات والمقالات التي سعت، في الأعوام التالية، إلى البحث عن انتحالات أخرى في أعماله. في ذلك الوقت، كان كلاين يدافع عن نفسه بحجج عدّة، من بينها أنه ينسى بشكل مستمر نسب النصوص إلى مصادرها بسبب انشغالاته الكثيرة، أو أنه يخلط بين ما يكتبه هو وبين ما ينقله عن آخرين من ملاحظات سجّلها خلال قراءاته. أما أبرز نقطة في دفاعه، بحسب قوله، وهي نقطة قدّمها في لقاء مع صحيفة لوموند عام 2021 بوصفها دليلاً على نزاهته العلمية، فتمثلت بقوله إنّ ما انتحله يقتصر على النصوص الأدبية، ولا يمسّ أبداً الاشتغالات العلمية.

غير أن تحقيقاً نشره "آريه سور إيماج" في أغسطس/آب 2024 نقل الملف إلى موضع أكثر حساسية، لأنّه لم يتناول هذه المرّة كتاباً موجّهاً إلى جمهور واسع أو عموداً صحافياً، بل الأطروحة العلمية التي ناقشها كلاين عام 1999. وكان هذا التحقيق الصحافي قد أبان عن قيام المؤلف بـ"النسخ واللصق" في 88 صفحة من رسالته التي تبلغ 429 صفحة، وهي مادة أولية انطلق منها تحقيق الجامعة الذي أجرته لجنة متخصّصة، مؤلّفة من أكاديميين، وخلص إلى سرقات تفوق ذلك بكثير، تعادل ثلثي الأطروحة، بحسب ما أكده أيضاً أحد المطّلعين على قرار لجنة التحقيق لصحيفة لوموند. والأكثر غرابة في ما نتجت عنه التحقيقات يتمثل في أنّ الانتحالات هذه تشمل نصوصاً لثلاثة من أعضاء اللجنة العلمية التي ناقش كلاين أطروحته أمامها، والتي يُفترض أنها اطّلعت على عمله بشكل دقيق. وهو ما ينقل القضية من مجرد مشكلة في الإحالة إلى المصادر لتصبح إشارةً على عطب ممكن داخل المؤسسة التعليمية نفسها التي منحته الشهادة.

وفي ردّه على القرار والجدل الواسع الذي أثاره في الأوساط الثقافية والأكاديمية، لم يشأ كلاين تفنيد الوقائع التي انتهى إليها تقرير الجامعة تفصيلياً، بل نقل النقاش إلى حديث عن الكتابة وعلاقتها بالاقتباس، وعن تبدّل المعايير بين زمن تأليفه الدكتوراه واليوم. وجاء في نص ردّه الذي ملأ أربع صفحات نشرها على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، أنه لا ينفي ما فعله، بل "يتحمّل بالكامل" مسؤوليته، لأنّه كان يعتقد آنذاك أنه "يفعل تماماً ما ينبغي فعله". وتحدث عن "دهشة قريبة من الذهول" إزاء ما يتعرّض له من انتقادات اليوم، شارحاً موقفه بالقول إنّه كان ينظر، في تسعينيات القرن الماضي، إلى الصيغ التي تحمل معلومات صحيحة، باعتبارها "ناقلةً لمعارف مشتركة" قبل أن تكون مُلكاً لأصحابها. كما ذكّر بأن أطروحته نالت تهنئة اللجنة مع أن مخطوطها كان يتضمن "بعض الجمل" التي كتبها عددٌ من أعضاء اللجنة أنفسهم، من دون أن يعترض أحدهم خلال المناقشة أو في تقريرهم الكتابي لاحقاً.

وأضاف أن ما جرى معه منذ عام 2016، حين صدر أول تحقيق صحافي عن اقتباساته غير المنسوبة، دفعه إلى مراجعة منهجه في الكتابة والتعامل بجديّة أكبر مع مبدأ إحالة النصوص إلى أصحابها. لكنّه هاجم في الوقت نفسه مَن سمّاهم "فرسان البرمجيات" الذين يلاحقون علامات التنصيص الغائبة في النصوص، مستحضراً الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي، الذي يُنتج عبارات انطلاقاً من نصوص "سبق أن كتبها بشر"، ويتيح إعادة صياغتها على نحو يجعل من أصالة المكتوب أمراً يصعب الحسم فيه. وختم كلاين ردّه بنبرةٍ هجومية، طالباً ممّن "لم يفعلوا شيئاً أبداً" للحدّ من الجهل العلمي السائد أن يمتنعوا عن إعطائه دروساً أخلاقية، في تذكير ضمني بالدور الذي لعبه في تقريب العلوم من عموم الناس.

ويحقّ لكلاين أن يطعن في قرار سحب شهادة الدكتوراه منه على مستوى جامعة باريس سيته، كما يمكنه أن يلجأ إلى القضاء في مرحلةٍ لاحقة، مع العلم أنّه لم يكشف حتى الآن عن نيّته تقديم طعن. وفي استجابة لـ"العناصر الحديثة" التي كشفها القرار، أعلنت إذاعة فرانس كولتور عدم تجديد برنامج كلاين بعنوان "المحادثة العلمية" (La Conversation scientifique)، اعتباراً من الموسم المقبل. أمّا مفوضية الطاقة الذرية والطاقات البديلة التي يشغل فيها كلاين منصباً بحثياً، فلم تعلن حتى الآن أيّ إجراء مماثل بحقّه.