الكاتبة: بثينة حمدان
أن نتذكر محاسن موتانا أمر طبيعي، فهو جزء من أخلاقيات احترام الميت، وقدسية الجسد الساكن وألم الفقدان. لكن أن لا نعرفهم إلا بعد موتهم، وموت رموزنا من كتّاب وفنانين وقادة وعُلماء وشخصيات فاعلة ومميزة، فهذا ظلم مزدوج. تُدرِكهم فجأة منصات التواصل الاجتماعي التي تستنسخ بشكل تلقائي تلقيني سيرة كاتب فلسطيني هنا وهناك وينعاه الكثيرون... نكتشفهم بعد رحيلهم؟ أي قسوة هذه التي نمارسها على هؤلاء المبدعين المؤثرين، وأي قلة وفاء حتى من أقرب الناس لهم، والذين اكتفوا بنعي قصير بعد الوفاة وانكفأوا على ذاتهم بمعرفتهم وتقديرهم الصامت للراحل!
والأنكى أن بيان النعي الذي حُرّرَ على عجلٍ، يشيد بسيرة لم نكن نعرفها إلا بعد الموت... فهل هذا تقصير أو جهل أو نكران للجميل في حياتهم واشتعال للجميل بعد موتِهم عبر المنصات الاجتماعية المليئة بالأكاذيب والتفاخر الفارغ لأشخاص يمتهنون الكلام من خلف الشاشات. هل تاريخ الشخصيات الهامة تكفيه منصة؟ وهل هي المكافأة للميت وذويه؟
ويكفي أننا حين نقرأ سطور النعي رغم انتشارها، تُبهرنا مسيرة الراحل فنتساءل: مَنِ الميت؟ يكفي أننا نتساءل: مَنِ الميت؟؟
أيُّ ظُلمٍ هذا الذي نقترفه بحق رموزنا في كافة المجالات، في الوطن والشتات.
مَنِ الميت؟! أسوأ ما يمكن أن يُقال عن راحل كاتب وفنان وعالم ورمز.
من الميت! تساؤُلٌ لا يندرج حتى ضمن جملة "أٌذكروا محاسن موتاكم"؟
وهؤلاء الموتى من الأيقونات الفلسطينية، لا ينشدون هذا الموت على منصة فارغة، بل يريدون حياة تضج بالاشادة والتقدير، ويستحقون اعتباراً حقيقياً من نظرائهم والاتحادات التي ينضوون تحتها، والمؤسسات الحكومية بوصفها المظلة، ومؤسسات المجتمع المدني الذراع المسانِد والمقوّم للدولة. إنهم يستحقون مكانة أكبر في حياتهم، لنضمن لهم –إن جاز التعبير- وفاةً عادلة وتاريخاً وفياً لإسهاماتهم، وأن يُحتفى بهم علناً، عبر كل أدوات التكنولوجيا المتاحة، ضمن خطة وأجندة تحيي يوم مولدهم وليس وفاتهم، وتكريمهم والإشادة بسيرتهم وعطائهم، وتداوله بعيداً عن نرجسية المبدع الفرد الذي قد يتردد في مشاركة نص لكاتب حي ويُفَضِّلُ العودة إلى الراحلين الذين نعتَدُّ بهم، ويستسهل التذكير والاستشهاد بكتابات درويش وسميح القاسم وغسان كنفاني وفدوى طوقان ومي زيادة وغيرهم.
وهنا نتذكر يوم الثقافة الوطنية الذي يصادف ذكرى ميلاد الشاعر الراحل محمود درويش وليس وفاته، يوماً نستذكر فيه أعلامنا الأحياء لا الأموات فقط، ونعمم سِيَرَهُم في الأرجاء بدءاً من صفوف الطلبة وصولا لنخب المثقفين الفلسطينيين أينما كانوا، نتداول أعمالهم ونستمتع بها ونستنشق عبيرها الأدبي أو الفني أو السياسي أو العلمي، فنخلق نموذجاً لجيل يواكب هؤلاء الرموز، وليس فقط جيل يُحيى ذكرى الراحلين، ويقرأ عنهم في المناهج الدراسية المفروضة عليهم.
في الحقيقة لا يمكننا أن نخلق جيلاً مبدعاً إذا كانت بدايته سؤال: من الميت؟
جملة لا نقبلها حتى لشخص عادي سار طوال حياته إلى جانب جدار.. يهاب العُتمة، في طريق بلا مطبات أو تحديات.. حتى هذا الإنسان البسيط لا نقبل رحيله دون تذكر صفاته وآخر لحظات جمعته بذويه. وفي النهاية ينحصر الأمر في حيز ضيق وهو ذِكر محاسن موتانا، تماماً كما هو رحيل الأشخاص الاستثنائيين، وعبر بيان يعتبر مصدر معرفتنا ولقاءنا الأول بهم.. كما الكثير ممن غادرونا تحت الحرب وفوقها وكنا لا نعرفهم ولا نتداول إنتاجهم ونجاحاتهم، إلى أن أصبح موتهم الفرصة الأخيرة لهذا الإدراك المتأخر.
وتذكروا أننا لن نخلدهم باعتراف متأخر، بل باعتراف بهم في حياتهم قبل فوات الأوان.



