آراء

إغلاق المضائق تشعل الخليج وبلدان الشرق الأوسط

31 مشاهدة قراءة 12 دقيقة

الكاتبة: كريستين حنا نصر

في ظل الحرب المستمرة بين أمريكا وحلفائها من جهة، وإيران وميليشياتها من جهة أخرى في منطقة الشرق الأوسط، ما زالت الحرب تتفاقم وتتوسع حدودها بنيرانها وتوتراتها، مترافقة مع إغلاقات متكررة لمضيق هرمز، المدجج بالألغام التي أعاقت طرق ومسارات الملاحة والطاقة العالمية، بالتزامن مع صعود أسعار النفط والطاقة عالميًا، وكذلك أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية.

ويتزامن ذلك مع حدة وتيرة الحرب اليمنية بين جماعة الحوثي والشرعية اليمنية، إذ تفشت الحرب بسرعة مؤخرًا خارج حدود اليمن، مع بداية قصف جماعة الحوثي بالصواريخ والمسيّرات قاعدة الملك خالد في خميس مشيط، وتبع ذلك سيطرة جماعة الحوثي على الساحل الغربي لليمن، مع وصولهم إلى مضيق باب المندب ونجاحهم في بسط سيطرتهم عليه، الأمر الذي أدى إلى زيادة التوترات المحيطة بالممرات المائية للملاحة الاستراتيجية عالميًا.

وهنا تدخل حرب المضائق مرحلة جديدة وتتوسع، بدايةً بمضيق هرمز، والآن مضيق باب المندب، مع احتمالية نشوء توترات مستقبلية في قناة السويس.

جماعة الحوثي هي جماعة مركزة تملك قرارات مركزية دون خلافات داخلية، وتُعد جماعة عقائدية تمتلك عقيدة وأهدافًا استراتيجية واضحة تتبعها في اليمن. وفي هذه الأيام، نجحت بالمحصلة في السيطرة والانتشار على مساحة ساحلية واسعة مرتبطة بالممر البحري الذي يفصل بين البحر الأحمر وخليج عدن.

والسؤال الأبرز هنا: هل تنجح جماعة الحوثي في الاستمرار بالسيطرة على الساحل الغربي لليمن وإعاقة الملاحة في مضيق باب المندب، رغم استمرار الحرب اليمنية الداخلية بين جماعة الحوثي والشرعية اليمنية؟

ومع تزايد إعاقة الملاحة في الممرات التجارية الدولية، فإن المتضرر الأكبر، تحديدًا، هي المملكة العربية السعودية، التي ما زالت تتلقى الأضرار من إغلاق مضيق هرمز جراء الحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على الخليج ودول الشرق الأوسط، وما يرافق ذلك من إعاقة لصادرات السعودية النفطية عالميًا.

ومع سيطرة جماعة الحوثي على جزيرة بريم (ميون)، التي تعتبر مفتاح مضيق باب المندب، تبرز تداعيات هذه السيطرة على بلدان البحر الأحمر. كما أن إغلاق مضيق باب المندب أعاق مسار نقل النفط الذي يُعتبر البديل السعودي، والمتمثل في أنبوب شرق-غرب، عن مضيق هرمز، الأمر الذي يضع صادرات النفط السعودي على المحك ويعيق تصديره عالميًا.

في خضم تفاقم صراع جماعة الحوثي مع المملكة العربية السعودية، صرّح الرئيس الأمريكي ترامب بأن جماعة الحوثيين هاتفوه، وأخبروه خلال مكالمة أنهم يسمحون لجميع السفن بالمرور، باستثناء السفن التابعة للسعودية، مطالبين بعدم تدخل واشنطن في هذه الحرب.

في المقابل، رفض ترامب طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للتدخل وقصف زحف الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب. وبالمحصلة، رفض ترامب التدخل في هذه الحرب لحل أزمة السعودية مع الحوثيين، الذين استهدفوا مرارًا عمق الأراضي السعودية بعدة صواريخ ومسيّرات استهدفت منشآت نفطية ومواقع حيوية، ناهيك عن السعي السعودي لاستعادة نفوذها في اليمن وتحرير مسار نقل نفطها.

ولدى السعودية خيارات أخرى، ومنها زيارة محمد بن سلمان إلى مصر مؤخرًا، التي أدانت بدورها استهداف جماعة الحوثي للمملكة العربية السعودية، في مكة وجدة والطائف وأبها وجازان، خلال جلسة المباحثات الموسعة التي جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد محمد بن سلمان في القاهرة.

وصدر بيان رئاسي أكد فيه الجانبان التوافق الكامل بشأن هذه الهجمات، كما أكدت الرئاسة المصرية توافق الزعيمين على الرفض القاطع والإدانة الكاملة لأي تهديدات تمس سيادة واستقرار المملكة العربية السعودية. وشدد الطرفان على خطورة تهديدات الحوثيين في البحر الأحمر بعد سيطرتهم الأخيرة على جزيرة بريم (ميون) ومضيق باب المندب، داعيين إلى ضرورة ضمان أمن وحرية الملاحة البحرية الدولية والتصدي للممارسات التي تهدد إمدادات الطاقة العالمية وحركة التجارة عبر قناة السويس.

وقد صدرت عدة تصريحات من دول ذات شأن في الحرب، أولها التصريحات الإيرانية التي تنصل فيها النظام الإيراني من أي علاقة أو دعم إيراني لجماعة الحوثي في الحرب الأخيرة مع السعودية، وإغلاق مضيق المندب، وحرب الحوثيين على السعودية.

في المقابل، زعمت الصحافة الإسرائيلية، عبر صحيفة «يسرائيل هيوم»، أن السعودية طالبت إسرائيل بمساعدتها في مواجهة هجمات جماعة الحوثي على أراضيها، عبر القيادة المركزية للجيش الأمريكي «سنتكوم» (CENTCOM)، وهي الوحدة العسكرية الرئيسية المسؤولة عن العمليات والأنشطة الأمنية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ووسط وجنوب آسيا، وذلك للحصول على مساعدة استخباراتية.

ويبدو أن الصحافة الإسرائيلية مهتمة بهذه التطورات، حيث عنونت أيضًا صحيفة «هآرتس» (Haaretz): «ترامب يترك السعودية وحدها تواجه الحوثيين». وتنظر واشنطن إلى جبهة البحر الأحمر باعتبارها منفصلة عن حربها مع إيران، وتعتبرها حربًا إقليمية، وأن الدول المعنية محليًا يجب أن تتعامل معها.

كما تؤكد صحيفة «هآرتس» أن النتيجة الحتمية هي تراجع الاعتماد الخليجي على المظلة الأمنية الأمريكية وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط دون وجود ودعم واشنطن.

والجدير ذكره أن القوات الأمريكية سوف تغادر الأراضي العراقية مع نهاية هذا الشهر، في 30 أيلول/سبتمبر الجاري. والسؤال الأبرز هنا: من الدول التي سوف تملأ الفراغ وتحل مكان أمريكا في الإقليم؟

ومع دخول منطقة الخليج العربي مرحلة عصيبة جراء الحرب مع جماعة الحوثي، يبرز تساؤل آخر: هل سوف تساعد إسرائيل السعودية في هذه الأزمة؟ والأهم أن الحديث في السابق كان قد تطرق إلى اتفاقية سلام بين إسرائيل والسعودية، لكنها لم تتبلور بعد إلى إبرام اتفاق.

الوضع في بلدان الشرق الأوسط، وتحديدًا الشرق العربي، متوتر ومتَشعّب، ويوصف بأنه على صفيح ساخن. ففي لبنان، وفي ظل الحديث عن سيادتها وحصر السلاح بيد الدولة، يتزامن ذلك مع الاستهداف الإسرائيلي وقصف أنفاق حزب الله.

وفي ذات السياق، يشهد العراق سياسة رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي الساعية إلى حصر السلاح بيد الدولة وحل الميليشيات العراقية الموالية لإيران، والتي لا تزال ترفض تسليم سلاحها.

كما تم استهداف الأراضي السعودية مؤخرًا بمسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية، وأثبتت التحقيقات الرسمية إطلاق مسيّرات مفخخة من عمق الأراضي العراقية استهدفت البنية التحتية النفطية للمملكة العربية السعودية، بالتزامن مع حرب الحوثي والسعودية.

أما الوضع المتأزم الحالي في سوريا، فيترافق مع اندلاع مظاهرات جراء غلاء المعيشة والوضع الاقتصادي الصعب الذي تعاني منه شعوب منطقة الشرق العربي، جراء الحرب الأمريكية الإيرانية وإغلاقات المضائق وزيادة أسعار الطاقة والمواد الغذائية.

والسؤال الأبرز هنا: هل يستمر إغلاق المضائق؟ وهل تتوسع الحرب إقليميًا لتشمل بلدان الشرق الأوسط؟ وتحديدًا، هل سوف تتفاقم الحرب السعودية مع جماعة الحوثي داخل أراضي المملكة العربية السعودية، وتتوسع لتؤثر تداعياتها على كامل دول الخليج والشرق العربي؟

أما الحرب الأمريكية الإيرانية، التي لم تُحسم بعد، فتترافق مع تفاقم التوترات من الداخل الإيراني، والمظاهرات التي تترافق مع اشتباكات وحرب شوارع داخليًا واستمرارها لليوم الرابع. كما تشير المعطيات الواردة إلى أن المعارضة الديمقراطية ضد النظام الإيراني الحالي سيطرت على عدة مدن قرب مدينة شيراز، منها مدينة فاسا، مع إشعال حرائق في الشوارع ووقوع عدة انفجارات غامضة في إيران.

ويترافق ذلك مع الأزمة الاقتصادية والانهيار الاقتصادي، وإغلاق عدة بنوك أبوابها، إضافة إلى شح البنزين وتفاقم أعداد الطوابير أمام محطات الوقود.

وتشير هذه المؤشرات، وفق ما يرد في سياق الأحداث، إلى احتمال انفجار الوضع داخليًا. وفي المحصلة، فإن الوضع الإيراني، إلى جانب أوضاع الدول الخليجية المعنية بالحرب ودول الشرق الأوسط، يوصف حاليًا بأنه على صفيح ساخن، مؤثرًا على الإقليم بأكمله.