آراء

حين تغيب الدولة... تتقدم الفوضى

64 مشاهدة
حين تغيب الدولة... تتقدم الفوضى

الكاتب : هاني محمد جابر 

بالنظر إلى الحالة الفلسطينية الداخلية، يصعب تجاهل مشهد التراكم المتسارع للأزمات، والتداخل بين الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية، حتى باتت الفوضى تبدو وكأنها تتحول، شيئًا فشيئًا، إلى واقع يومي. وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، وتراجع الشعور بالأمن الاجتماعي، وضعف قدرة المؤسسات على فرض النظام، تتجه الأمور نحو مزيد من التعقيد، بينما تتآكل الضوابط التي كانت، يومًا ما، تحد من الانفلات.

وحين تغيب سلطة القانون، أو يضعف حضورها، لا يبقى الفراغ فراغًا؛ بل تملؤه قوى أخرى. وهنا اتسعت مساحة العشائر لتؤدي أدوارًا كانت، في الأصل، من اختصاص الدولة ومؤسساتها. فأصبحت حلول كثير من النزاعات تُصاغ بمنطق جزئي ومحلي، لا بمنطق العدالة العامة وسيادة القانون. ونتيجة لذلك، لم يعد الجميع يشعر بأن الحقوق تُرد إلى أصحابها وفق معايير واحدة، بل وفق اجتهادات تتباين من قضية إلى أخرى.

ومع هذا المشهد، برزت مظاهر مقلقة من استعراض القوة وفرض النفوذ في بعض المناطق، حتى أصبحت صور التسلح، وفرض الأمر الواقع، والتنافس على السيطرة على الشارع، تتكرر في أكثر من مدينة وقرية وحي. وما كان يُعد استثناءً في الماضي، بات يتكرر حتى أصبح جزءًا من المشهد اليومي في نظر كثيرين.

إن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس الجريمة وحدها، بل اعتيادها. فحين يتراجع حضور القانون، ويضعف الردع، وتتآكل المنظومة الأخلاقية والقيمية التي تضبط السلوك العام، يصبح الانفلات مرشحًا للتوسع، وتتحول الفوضى من حالة طارئة إلى بيئة حاضنة لمزيد من الأزمات.

ولا يمكن لأي مجتمع أن يبني استقرارًا دائمًا إذا بقي القانون غائبًا أو عاجزًا عن فرض هيبته على الجميع دون استثناء. فسيادة القانون ليست ترفًا سياسيًا، بل هي الشرط الأول لحماية الأرواح، وصون الممتلكات، وحفظ كرامة الإنسان. وكل تأخير في استعادة هذا المبدأ يفتح الباب أمام مزيد من التفكك، ويجعل كلفة استعادة النظام أعلى بكثير مما هي عليه اليوم.

الفوضى ليست قدرًا...  

إذا نظرنا إلى ما آلت إليه الأوضاع في الداخل الفلسطيني داخل إسرائيل، يصعب تجاهل حجم التعقيد الذي أصاب البنية الاجتماعية. فقد تصاعدت مظاهر الجريمة المنظمة، وفرض الإتاوات، والبلطجة، حتى أصبحت بالنسبة لكثيرين جزءًا من المشهد اليومي. وفي ظل الانتقادات المتكررة لفعالية ملاحقة شبكات الجريمة، برز انطباع واسع بأن هذا الواقع لم يعد مجرد خلل أمني، بل تحول إلى أزمة عميقة تهدد تماسك المجتمع الفلسطيني في الداخل.

وبالنسبة لكثير من المراقبين، فإن غياب الملاحقة الحازمة للعناصر الإجرامية، واتساع هامش حركتها، أسهما في تعاظم نفوذها، حتى باتت العصابات تنازع المجتمع سلطته، وتفرض سطوتها على الناس بالقوة والخوف والابتزاز. وعندما يصبح المجرم أكثر حضورًا من القانون، تتحول الدولة، في نظر المواطن، إلى طرف غائب عن حماية أمنه وحياته.

وإذا كان هذا المشهد قد فرض نفسه في الداخل الفلسطيني، فإن ما يجري في مناطق السلطة الفلسطينية يثير بدوره تساؤلات عميقة. فالارباك الأمني، وضعف المؤسسات، واتساع رقعة الفوضى، ليست تطورات يمكن فصلها عن السياق السياسي الأوسع. ويرى بعض المحللين أن هذه الحالة تخدم، في نهاية المطاف، إضعاف السلطة الفلسطينية واستنزاف المجتمع الفلسطيني من الداخل، بما يفاقم الانقسام ويقوض قدرة المجتمع على تنظيم نفسه والدفاع عن مصالحه.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي شعب ليس فقط الاحتلال أو الصراع الخارجي، بل أن يصبح منشغلًا بصراعاته الداخلية، وأن تُستنزف طاقاته في مواجهة الفوضى والجريمة بدل توجيهها نحو بناء مجتمع متماسك وقادر على الصمود.

ومن هنا، فإن إعادة البوصلة الوطنية لا تبدأ بالشعارات، وإنما بإعادة الاعتبار لسيادة القانون، وترميم الثقة بالمؤسسات، وتعزيز النسيج الاجتماعي، وحشد طاقات جميع مكونات الشعب الفلسطيني لمواجهة مظاهر التفكك والجريمة والانقسام. فالمعركة اليوم ليست أمنية فحسب، بل هي معركة على هوية المجتمع ومستقبله، وعلى قدرته على حماية نفسه من كل ما يهدد وحدته وتماسكه.