الكاتب: د.إيهاب بسيسو
إعادة الإعمار السياسي فلسطينياً، لا يقل أهمية عن إعادة الإعمار التقني من حيث إعادة تأهيل البنى التحتية ومساحات السكن والتعليم والصحة والبنية الاقتصادية لكل ما قام الاحتلال بتدميره في كل من غزة والضفة والقدس.
هذا يتطلب جهداً حقيقياً من أجل إنقاذ ما تبقى من فلسطين من ويلات الهيمنة والتبعية ذات الامتدادات النفعية الضيقة اقليمياً ودولياً.
ولعل فشل كل المحاولات السابقة في ذلك، ينبع من تجاهل "متعمد" لأهمية وضرورات إعادة الإعمار السياسي، كمظلة لإعادة الإعمار التقني، ما خلق على مدار السنوات الماضية تلك المساحات الظاهرة من الفراغ والفوض الضمنية التي سرعان ما تم توظيفها لتعميق حالة الخراب السياسي، بكل أبعاده اليومية.
تعد عملية إعادة الإعمار السياسي، المدخل المنطقي والواقعي لحالة من الاستقرار الوطني أو بمعنى أدق يمكن رؤية ذلك ضمن خطة تقوم على دمج عملية إعادة الإعمار التقني، برؤية وطنية شاملة، تحقق الرغبة الشعبية في الخروج من حالة التشتت السياسي، والهشاشة الوظيفية، وانحسار الرؤية الاستراتيجية في توظيف مختلف التحديات كمعيقات "واقعية" ومنطقية، أمام إعادة الإعمار السياسي، غير أنها نتاج تدوير مفردات الوهم ضمن حالة من الركود السياسي.
وليس بالضرورة أن يعني هذا المزيد من إعادة إنتاج مصطلحات الإصلاح والشفافية والديموقراطية والتي - للأسف- فقدت معانيها الحيوية مع الوقت، لتصبح مكوناً هامشياً من حالة جمود سياسي محاصر بمختلف أشكال الهيمنة، بل بل على العكس فأهمية وضرورة الإصلاح والشفافية والديموقراطية تعتمد بشكل واضح على آليات وطبيعة التنفيذ من أجل تحقيق استدامة الخيار الوطني في الصمود أمام تحديات اللحظة السياسية الراهنة.
إن الحاجة الآن للنظر بشكل أكثر عمقاً وجدية في مسألة إعادة الإعمار السياسي، أصبحت من الضرورات الملحة وجودياً خصوصاً مع استمرار حرب الإبادة المفتوحة في غزة، وحرب المصادرة والاستيطان الشرسة في الضفة، وحرب العزل الممنهجة في القدس.
فتعدد جبهات الإبادة على اختلاف وتيرتها بين كل من غزة والقدس والضفة، وامتداداتها الوظيفية في المنافي المختلفة، لم تعد تحتمل المزيد من تجارب سياسية مبتورة السياق أو محدودة التأثير، بل تدفع نحو تبني خطة إعادة إعمار سياسي شاملة، تنطلق من رغبة حقيقية في جعل الاستقرار مرادفاً موضوعياً للحق في العدالة والحق في الحرية.



