الكاتب: د. مروان إميل طوباسي
ليس الأول من أيار في فلسطين مناسبة احتفالية بقدر ما هو محطة نضالية تتجدد فيها الأسئلة الكبرى حول الحرية والأستقلال الوطني والعدالة والكرامة الإنسانية . ففي ظل عام ثالث من حرب الإبادة والتطهير العرقي والضم الأستيطاني والتهجير القسري المستمر على شعبنا ، وما خلّفته تلك الجرائم من عشرات آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين في قطاع غزة والضفة ، وتهجير عشرات الآلاف منذ جريمة النكبة ومرورا وتداعياتها المتلاحقة حتى اليوم من المشروع الصهيوني ، تبدو معاناة الإنسان الفلسطيني وفي القلب منه العامل أكثر قسوة وتعقيداً من أي وقت مضى .
لقد تجاوزت الحرب حدود العدوان العسكري لتتحول إلى واقع مركّب من الإبادة والتدمير الشامل والضغط الإقتصادي والاجتماعي ومحاولات كي الوعي الجمعي . فارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى أكثر من 50%، ووجود ما يزيد عن نصف مليون عاطل عن العمل ، ليس مجرد رقم اقتصادي ، بل تعبير عن أزمة بنيوية تهدد الاستقرار المجتمعي . يضاف إلى ذلك استمرار قرصنة الأحتلال لأموال المقاصة وعدم ايفاء الممولين بالتزاماتهم ، وبالتالي عجز حكومتنا عن الإيفاء بالتزاماتها وخاصة من دفع رواتب العاملين ، ما فاقم الأوضاع المعيشية وأضعف قدرة المواطنين على الصمود امام ارتفاع الإسعار المضطرد وغلاء المعيشة دون وازع او رقابة .
ورغم هذا الواقع القاسي ، فإن إجراء الانتخابات المحلية مؤخراً جاء في سياقين متداخلين ، الأول ، تأكيد الحق الدستوري للمواطنين في اختيار ممثليهم بعد انتهاء ولاية المجالس السابقة . والثاني ، محاولة ترسيخ حضور المجالس المحلية الفلسطينية كإطار وطني يقدم الخدمات والرؤية التنموية ومقومات الصمود لكل الفلسطينيين ، وفي محاولة لتأكيد الولاية السياسية والجغرافية لمنظمة التحرير .
لكن هذه العملية ، رغم سلاستها الإجرائية وإدارتها المهنية ، لم تكن خالية من الإشكاليات . فقد كشفت عن اختلالات بنيوية في القانون الانتخابي الجديد ، الذي قيد مشاركة المرشحين ، وفرض شروطاً حدّت من قدرة قوى اجتماعية ناشئة على المنافسة ولم يفصل انتخاب رئيس المجلس البلدي عن انتخاب القائمة الذي كان من الافضل ان يكون مباشرة من المواطنين ، حتى لا ندخل في اجراءات المبادلة في بعض المجالس خلافا للقانون . كما أن نحو 47% من الهيئات المحلية حُسمت بالتزكية دون انتخابات ، ما أدى إلى غياب التنافس ، ما منح بعض النخب السياسية والعائلية دوراً على حساب حق المواطنين في الاختيار الحُر ، في مدن وبلدات كان يفترض أن تكون ساحة للتعددية والديمقراطية ، مع قيام بعض النخب لمنافسة نفسها دون الانضباط التنظيمي والذي ساهم في خلق حالة من الانفلاش والأثر الأجتماعي .
في هذا السياق ، يصبح الحديث عن العدالة الإجتماعية أكثر إلحاحاً ، فالقضية الوطنية التحررية لم تعد فقط مواجهة الأحتلال الإستعماري رغم أولوية ذلك ، بل أيضاً بناء منظومة داخلية قادرة على حماية الإنسان الفلسطيني ، وصون حقوقه الاقتصادية والاجتماعية وصون مبدأ مواطنته . وهنا تبرز مسؤولية الحكومة في اتخاذ خطوات عملية وجريئة ، تبدأ بمواءمة التشريعات الفلسطينية مع المعايير الدولية ، وخاصة اتفاقيات منظمة العمل الدولية .
كما يتطلب الأمر تطوير قانون العمل الفلسطيني ، وإقرار قانون ضمان اجتماعي عادل ومستقل ، وإنشاء محاكم عمالية متخصصة ، وربط الأجور بغلاء المعيشة ، وتطبيق مبدأ المساواة الكاملة بين العامل والعاملة . فبدون هذه الخطوات ، ستبقى شعارات العدالة الاجتماعية مجرد وعود غير قابلة للتحقق .
ولا يقل أهمية عن ذلك ، وضع استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الفقر والبطالة ، تستند إلى تخصيص الموارد الإنتاجية وتحفيز الاقتصاد المقاوم وخلق فرص عمل حقيقية ، خاصة للشباب والخريجين . فالهجرة الصامتة التي نشهدها اليوم ليست أختياراً فردياً ، بل نتيجة مباشرة لغياب الأفق .
إن وحدةالحركة الوطنية ومن ضمنها النقابات العمالية تشكل اليوم ضرورة ملحة، باعتبارها الركيزة الأساسية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية بما تتذكره من دور وطني طليعي لتلك النقابات مع بداية سنوات الأحتلال ودورها في انجاز الإعتراف العربي والدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية والذي توج بخطاب الرئيس المؤسس ياسر عرفات امام الجمعية العامة للأمم المتحدة وقبل ذلك في قمة الرباط العربية .
كما أن تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية ، وإنهاء الانقسام واسقاط مشروع ترامب لتدوير الأحتلال في غزة والمعازل الجغرافية بالضفة وعزل القدس ، يمثلان شروط ضرورية لإعادة بناء المشروع الوطني التحرري على أسس ديمقراطية جامعة في مواجهة المشروع الإستعماري .
وفي ظل الاعتراف الدولي الواسع بدولة فلسطين على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس ، فإن التحدي لم يعد في الأعتراف ، بل في خطوات عملية دولية لتحويله إلى مسار سياسي عملي يُنهي الأحتلال والأستيطان ويضمن الحقوق الوطنية الغير قابلة للتصرف . وهذا لن يتحقق دون وحدة وطنية حقيقية عريضة ، وإرادة سياسية قادرة على ترجمة التضحيات إلى إنجازات ووضع رؤية سياسية مقاومة تستند الى الرواية التاريخية .
في الأول من أيار ، يجب على حركة "فتح" مع اقتراب مؤتمرها العام الثامن والقوى الوطنية الشريكة ، أن تُبقي قضية العمال في صلب المشروع الوطني التحرري وبرنامجها للبناء الوطني الذي سيقره المؤتمر ، وأن يكون النضال من أجل الحرية مرتبطاً عضوياً بالنضال من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة والديمقراطية . فشعبنا الذي قدّم آلاف الشهداء والأسرى والجرحى ، يستحق حياة كريمة ، ودولة ديمقراطية مدنية تضمن الحريات وفصل السلطات والحقوق لجميع أبنائها دون تمييز . ولعمالنا أقول بالأول من أيار ، أنتم خط الدفاع الأول الى جانب كل الوطنيين عن الكرامة الوطنية والإنسانية .



