الكاتب : معتز السيد
لم تعد قضية اجتزاء رواتب الموظفين الحكوميين و غيرهم مسألة عابرة يمكن تبريرها بظرف طارئ أو أزمة مؤقتة .. نحن أمام واقع ممتد منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف العام .. واقعٌ بات فيه الراتب منقوصًا والحياة منكسرة والاستقرار مفقودًا .. موظفٌ يعمل كامل الشهر لكنه لا يتقاضى إلا جزءًا من حقه مرة 70% مرة أقل وأحيانًا لا يصل حتى إلى الحد الأدنى الذي يحفظ كرامته وكرامة أسرته .
الأصل في العلاقة بين الموظف والحكومة واضح وثابت : خدمة مقابل راتب هذا مبدأ لا خلاف عليه في الظروف الطبيعية لكن هل نحن نعيش ظروفًا طبيعية؟ بالطبع لا ، نحن نعيش تحت احتلال وفي ظل إجراءات مالية قسرية أبرزها حجز أموال المقاصة وهو ما ينعكس بشكل مباشر على قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها بشكل اعتيادي فمن البديهي ان اي حكومة ترتكز على عائداتها الضريبية
لكن السؤال الجوهري هنا: هل يُعقل أن يتحمّل الموظف وحده تبعات هذا الواقع غير الطبيعي؟
ما يحدث اليوم هو تحميل فئة بعينها -الموظفون-كامل العبء بينما يفترض أن تتسع دائرة المسؤولية لتشمل الجميع : الحكومة المؤسسات النخب والقيادات لا يجوز أن يكون الموظف الحلقة الأضعف التي تُستنزف بلا حماية .
إذا كانت الحكومة تتحدث عن أزمة مالية قاهرة فإن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض إعلان حالة طوارئ مالية حقيقية لا تقتصر على تقليص الرواتب بل تمتد إلى إعادة تنظيم العلاقة المالية مع المواطن اذ لا يمكن لحكومة تدفع راتبًا مجتزأ أن تطالب بالمقابل برسوم كاملة مقابل خدماتها هذا اختلال في ميزان العدالة وعهر في تبادليه العلاقة .
كيف يُطلب من موظف لم يتقاضَ راتبه كاملًا أن يدفع مثلا كامل رسوم ترخيص مركبته؟ أو أن يسدد التزاماته الحكومية دون أي مراعاة لواقعه؟ بل كيف يُعاقب بالحبس أحيانًا نتيجة عجزه عن السداد؟
إننا نطالب بوضوح :
وقف إجراءات حبس المدين بحق الموظفين العموميين في ظل هذا الواقع و الحجز على مستحقاته لصالح الدائن اضافه الى اقتطاع ربع راتبه الكامل للدائن حسب القانون ليتجنب حبس الموظف المدين
اي اعتماد بدائل قانونية عادلة مثل جدولة الالتزامات أو الحجز المنظم بما يحفظ الحد الأدنى من الحياة الكريمة .
مواءمة الرسوم الحكومية مع نسبة الرواتب المدفوعة ..
أما في قطاع التعليم فالوضع أكثر حساسية وخطورة المعلم اليوم لا يعاني فقط اقتصاديًا بل نفسيًا ومهنيًا . كيف يمكن لمعلم أن يؤدي رسالته التربوية وهو عاجز عن تغطية تكاليف الوصول إلى مدرسته؟ كيف نطلب منه الاستمرار في العطاء بينما أبسط مقومات الاستقرار مفقودة؟
ورغم ذلك يستمر المعلم الفلسطيني مدفوعًا بضميره في حمل الأمانة يذهب إلى المدرسة يدرّس يراقب يصحح ويُنجز حتى في أصعب الظروف واحلكها وهذا ليس ضعفًا او قله حيله انما التزام وطني يجب أن يُقابل باحترام وحماية لا باستنزاف .
من هنا نطرح رؤية واضحة: ضرورة تحييد العملية التعليمية عن التجاذبات المالية والسياسية
ليس لأن المعلمين أفضل من غيرهم بل لأن التعليم هو الركيزة الأساسية لبقاء المجتمع وصموده
نقترح أن نبدا فورا ورشة عمل وطني جاد تجتمع فيها :
الحكومة
الاتحاد العام للمعلمين
المؤسسات الأهلية
النقابات
منظمة التحرير
الشخصيات الاعتبارية
والاتحادات التربوية
بهدف صياغة خطة أمن تربوي وطني تضمن:
-استقرار العملية التعليمية
-حماية حقوق المعلمين
-منع تكرار الأزمات التي تهدد العام الدراسي
إننا بحاجة إلى رؤية شاملة لا حلول ترقيعية .. إلى عدالة في توزيع الأعباء لا تركيزها على كاهل الموظف .. إلى قرار شجاع يقول: لا يجوز أن يبقى الموظف وحده في مواجهة العاصفة
في النهاية القضية ليست فقط راتبًا يُقتطع بل كرامة تُمس واستقرارًا يُهدم ومستقبلًا يُهدد
والسؤال سيبقى مطروحًا: إذا لم نحمل جميعًا هذا العبء، فمن سيتحمله؟
* عضو الامانه العامه لاتحاد المعلمين



