كتب :د. علي حسين يوسف
"لا يمكن للمرء أن يطلق حكما أو توصيفا دقيقا على الفلسفة الإسلامية ما لم يأخذ بالحسبان المنطلقات الثقافية التي كانت مهادا لبذرة التفكير الفلسفي في الإسلام، لا سيما وهو بصدد مقارنتها مع الفلسفة الغربية. فالفلسفة الإسلامية تختلف عن الفلسفة الغربية بالمصدر الذي اعتمدت عليه، وبالمادة التي تعالجها.
فمن ناحية المصدر، فقد اعتمدت الفلسفة الإسلامية بالدرجة الأساس على إرث ديني كلامي صوفي. أما من ناحية الموضوع، فقد دار موضوعها حول المسائل التي عالجتها الفرق الكلامية والعقائدية والصوفية.
أما الفلسفة الغربية، فقد اعتمدت على إرث فلسفي خالص، كبير ومتصل، نابع من بيئتها ثم تواصلت معه، وقد كانت موضوعاتها مستمدة من الفلسفة ذاتها. لكن هذا لا يعني أن الفلسفة الإسلامية لم تفد من التراث الفلسفي اليوناني؛ فقد وصل التفاعل عند عدد من الفلاسفة إلى الحد الذي تمثلها بتفاصيلها، على الرغم من أنها كانت غريبة على الثقافة العربية.
يقول مرتضى مطهري إن عدد مسائل الفلسفة عند اليونان لم يتجاوز المئتي مسألة، لكن الفلاسفة المسلمين زادوا عليها حتى بلغت سبعمائة.
ومما تقدم يمكن أن نُشخّص تيارين أو منهجين فلسفيين عامين في الفلسفة الإسلامية:
الأول: تمثل بالاعتماد على المصدر الإسلامي بالدرجة الأساس، مع إفادته بشكل أو بآخر من الفلسفة اليونانية.
والثاني: اعتمد على الفلسفة اليونانية بالدرجة الأساس، مع مراعاة الإرث الإسلامي بنسب متفاوتة.
ومما تقدم يمكن القول أيضا إن الفلسفة الغربية تمثل بناء عموديا ممتدا، لا غرابة أو تناشز في مفاصله، ينطلق من بيئة محددة وثقافة خاصة. أما الفلسفة الإسلامية فلا نجد فيها مثل ذلك البناء؛ فهي إما متأثرة بالفلسفة اليونانية الغريبة عنها، أو معتمدة بصورة شبه كلية على الإرث الإسلامي الحديث العهد، مقارنة مع الفلسفة اليونانية.
ففلاسفة الشيعة مثلا، يعتمدون على ما قرره أئمتهم من عقائد، مستثمرين القرآن والعرفان ونتفا من الفلسفة اليونانية، بحسب ما فهمها الفلاسفة الذين تأثروا باليونان. أما الفلاسفة مثل الكندي، الرازي، ابن سينا، الفارابي، الغزالي، ابن رشد، ابن باجة، ابن طفيل، فلم تكن مذاهبهم إلا قراءات وشروحات وتلخيصات وتحويرات للفلسفة اليونانية.
وأصحاب التصوف والعرفان لهم نظامهم المعرفي المختلف، وللأصوليين أفكارهم. وعليه، يمكن القول إن آراء المعتزلة والأشاعرة والفرق العقائدية والصوفية والعرفانية أكثر أصالة من فلسفات هؤلاء، لأنها تستمد الموروث العربي وتنبع منه.
فإن أكثر ما يجسد أصالة الفلسفة الإسلامية، ما نجده عند فرق المتكلمين وفلاسفتهم فيما بعد، لا سيما فرق الشيعة الذين بزّوا أقرانهم في البحث الفلسفي حتى أصبحوا أصحاب مدرسة فلسفية واضحة المعالم.
وعلى العموم، فإن من ينكر على العرب الفلسفة لا بد أن يأخذ بنظر الاعتبار هذه القضية: فإن كان المقصود بأن العرب لم يتفلسفوا كما تفلسف اليونانيون، فهو مصيب ولا تثريب عليه، فليس هناك ما يشبه سقراط أو أفلاطون أو أرسطو عند العرب. لكن أن ننكر على العرب الفلسفة بصورة عامة، فهذا أمر مجافٍ للصواب، لا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن التفلسف سمة من سمات الفكر الإنساني عامة.
فللعرب والمسلمين فلسفة، تجسدت بما دوّنته الفرق الكلامية والعقائدية والسياسية، معتمدة على القرآن والسنة وأحاديث الأئمة والعلماء، لذلك فهي تختلف عما تركه اليونان، تبعا لاختلاف منطلقات التفكير كما مرّ.
ومما تقدم، يمكن تلخيص القضية كالآتي:
الفلسفة الإسلامية تختلف عن الفلسفة اليونانية والغربية بمصادرها وموضوعاتها ومناهجها التي تعتمدها، تبعا لأصول وموضوعات ومناهج كل منهما، فلا وجه للمقارنة بينهما.
وعليه، يمكن القول إننا حين نبحث الفلسفة الإسلامية، علينا أن نبحث عنها في مكانين:
الأول: آراء الفرق الكلامية والعقائدية والسياسية والصوفية والفلسفية التي اعتمدت الثقافة الإسلامية (القرآن والسنة)، كما فعل هنري كوربان.
الثاني: آراء الفلاسفة الذين اعتمدوا الفلسفة اليونانية بالشرح والنقاش والتحوير.
وعليه، يمكن أن نلحظ في الفلسفة الإسلامية التيارات أو المدارس التالية:
مدرسة كلامية تستمد أفكارها من القرآن والسنة،
مدرسة صوفية تستمد أفكارها من الإسلام والغنوصية،
مدرسة مشائية تعتمد العقل والمنطق،
مدرسة الإشراقيين تعتمد على الإلهام والتجلي،
ثم ظهرت مدرسة الحكمة المتعالية على يد صدر الدين الشيرازي وتلامذته.
وعلى العموم، فإن من يؤرخ للفلسفة الإسلامية ربما يقتصر على أحد هذه التيارات، كما نجد ذلك في أغلب كتب تاريخ الفلسفة، فكثيرا ما يُغفل علم الكلام والتصوف والعرفان والإشراق عند مؤرخي الفلسفة، ليؤرخوا للفلسفة من الكندي وينتهوا بابن رشد، أو يبحثون علم الكلام بمؤلفات خاصة، وكذا الأمر مع التصوف والعرفان.
أما مؤرخو الفلسفة من الشيعة، فيعتمدون تقسيما مختلفا، فكثيرا ما كانت البداية في كتبهم مع صدر الدين الشيرازي، الذي يعدّونه فيلسوفا إسلاميا أصيلا. لذلك نجدهم يطلقون على فلسفته وفلسفة تلامذته ومعارضيه وشراحه اسم "الفلسفة الإسلامية"، وهي تسمية تشي إضمارا بأن هؤلاء يمثلون الفلسفة الإسلامية الحقة طالما أنها جمعت بين التيارات الأخرى.
ورغم ما تقدم، من يطالع كتب تاريخ الفلسفة عند الشيعة لا يجد منهجا واحدا، بل نادرا ما نجد مفردة "تاريخ" في كتبهم؛ فإن أغلب تلك المؤلفات تركز على مسائل الوجود وتقسيماته وما يتعلق به، فضلا عن قضايا أخرى."



