ثقافة

في أَيلول كان يوم ميلادي

26 مشاهدة
في أَيلول كان يوم ميلادي
الشاعر: يوسف حنا 
.
في أَيلولَ
كان يومُ ميلادي.
.
كان عامي الثلاثون
محلّقًا نحو السماء،
وأَنا أَصحو
على صوتٍ يأتي من الجبال،
من الغابةِ المجاورة،
من محارٍ نسيَ أُذنهُ في البحر،
ومن شاطئٍ
قدّسه مالكُ الحزين.
.
كان الصباحُ يومئُ للماءِ،
والماءُ يردُّ
بابتهالاته القديمة؛
سنونواتٌ وحساسين،
وقواربُ شراعيّة
ترتطمُ بالجدار
المنسوجِ كشبكةٍ حول ذاتي.
.
في تلك اللحظة
كانت خطايَ تنشرُ أَجنحتها
وتقلعُ
نحو البلدةِ الهاجعة.
.
بدأَ يومُ ميلادي
بطيورٍ مهاجرة
وأُخرى خرجت من الأَشجار،
تحلّقُ باسمي.
.
فرَقّتِ المزارعُ،
ونهضت الخيولُ البيضاء
من عشبها،
ومضتْ في خريفٍ ماطر
خارجَ وابلِ أَيامي.
.
كان المدُّ عاليًا،
وكان مالكُ الحزين
يغوصُ في زرقةٍ لا قاع لها،
بينما كنتُ أَعبرُ التخوم.
.
كانت بواباتُ البلدة
تُغلقُ واحدةً بعد أُخرى،
والبلدةُ، في الجهةِ الأُخرى،
تفتحُ عينيها.
.
كان الربيعُ يمرُّ
في سحابةٍ تتدحرج،
محمّلًا بالقبّرات،
وكانت أَحراشُ الطريق
مترعةً بالشحارير.
.
وشمسُ أَيلول
ما زالت صيفيّة.
.
على كاهلِ التل
كانت تلك الأَجواء
التي أَحببتها ذات يوم،
وكان المغنّون العِذاب
يهبطون فجأَةً في الصباح
كأَنهم خرجوا من أُغنيةٍ قديمة.
.
هناك
كنتُ أَهيم،
وأُصغي إِلى المطر
وهو يعصرُ الغمام.
.
كانت الريحُ باردة،
والغابةُ
تبتعد أَكثر
كلما حاولتُ الوصول إِليها.
.
مطرٌ شاحبٌ
فوق البرجِ المتضائل،
وفوق كنيسةٍ
بلّلها المطر
حتى بدت بحجم قوقعة؛
قرنانِ من رذاذ،
وقلعةٌ سمراء
كجناحي بومة.
.
ومع ذلك
كانت حدائقُ الربيع والصيف
تظلُّ يانعةً
في الحكايات،
خلف التخوم،
وتحتَ سحابةٍ
تفيضُ بالقبّرات.
.
بعيدًا هناك
كان على يوم ميلادي
أَن يدهشني بعجائبه.
.
لكنّ الطقسَ تقلّب.
.
استدار الريفُ السعيد
عن وجهه،
وعبرتِ السماءُ إِلى زرقةٍ أُخرى،
كأَنّ النهارَ
يبدّلُ ذاكرتَه.
.
ثم تدفقت
أُعجوبةُ صيفٍ جديدة،
تجرُّ وراءَها
أَشجارَ التفاح،
والكمثرى،
والخوخَ الأَحمر،
والسفرجل.
.
وعند المنحنى
رأَيتُ بوضوحٍ شديد
صباحاتٍ منسيةً لطفلٍ
يمشي إِلى جوار أُمه.
.
كان يعبرُ
أُمثولاتِ الشمس،
ومعجزاتِ الكنائس الخضراء،
وحقولَ طفولةٍ
رُويت مرتين،
كي لا تضيع.
.
وفجأةً
أَحسستُ دموعَه
تحترقُ على وجنتي،
وقلبَه
ينتفضُ في صدري.
.
كان هو.
.
الطفلُ الذي تركتُه
هناك،
بين الغابةِ والسهل والبحر،
يهمسُ في صيفٍ هادر
بحقيقةِ فرحته
للأَشجار،
والأَحجار،
والأَسماكِ التي لا تعرفُ
إِلى أَين يذهبُ الماء.
.
ومنذ ذلك اليوم
ظلّتِ الأُحجيةُ
تغنّي.
.
تغنّي في الماء،
وفي أَجنحةِ الطيور،
وفي الأَشياءِ
التي لا تجدُ لغةً
إِلّا الصمت.
.
بعيدًا هناك
كان ليوم ميلادي
أَن يدهشني بعجائبه.
.
لكنّ الطقسَ تقلّب.
.
وكانت هناك
فرحةٌ صادقة
لطفلٍ
مات منذ زمنٍ بعيد،
ثم عادَ
ليجلسَ في قلبي.
.
كان عامي الثلاثون
مُحلّقًا إِلى السماء.
.
وأَنا،
في ظهيرةِ صيفٍ بعيدة،
وقفتُ على التلّ
أَرى البلدةَ تحتي
مستلقيّةً تحتَ أَوراق أَيلول الصدئة.
.
لم أَكنْ أَعرف
أَنّ السنوات
لا تأخذنا إلى الأَمام،
بل تعيدنا أَحيانًا
إِلى أَوّلِ دهشة.
.
وها أَنا الآن
على منعطفِ عامي السبعين،
أَمدُّ يدي
إِلى ذلك الطفل.
.
لا لأَستعيدَ عمرَه،
بل لأَستعيدَ قلبَه.
.
آه،
ليظلَّ صدقُ قلبي
أُنشودةً
على هذا التل العالي،
.
وليكن أَيلول
كلّما عاد،
يقولُ لي:
.
لم تكبرْ تمامًا...
.
ما زالَ في داخلِك
طفلٌ
كلّما أَصغى للعالم
استيقظتْ في عينيه
الدهشة.
.