الوجودية تيار فلسفي ينتمي إلى الفكر الغربي. برز كحركة ثقافية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي في أوروبا، ولا سيما في فرنسا، حيث تبناه جان بول سارتر وزملاؤه، سيمون دوبوفوار، وألبرت كامو، وموريس مارلو بونتي. لاقى رواجاً في العالم العربي في حينه، ولا تزال الظروف العامة تعطي هذه الفلسفة مبررات استمراريتها.
يُعدّ كتاب الوجودية للفيلسوف الفرنسي بول فولكيه مدخلًا منهجيًا إلى أحد أبرز التيارات الفلسفية في الفكر الغربي المعاصر. ظهرت الوجودية بوصفها استجابة فلسفية لأزمات الإنسان الحديث، وقد تطورت في سياق القرن العشرين على خلفية الحـ. ر . وب العالمية، وانهيار اليقينيات التقليدية، وانكشاف هشاشة الوجود الإنساني أمام العبث والموت والقلق.
يركز فولكيه في هذا العمل على تقديم عرض تحليلي متماسك لأهم المفاهيم التي تُشكّل البنية الأساسية للفكر الوجودي، مثل: الحرية، الاختيار، القلق، العدم، الالتزام، والذاتية. كما يتناول الجذور الفلسفية لهذا التيار في فكر كيركغور ونيتشه، ثم تطوره على يد فلاسفة القرن العشرين، خصوصًا في الفضاء الفرنسي، مع جان بول سارتر، سيمون دو بوفوار، ألبير كامو، وموريس ميرلو-بونتي، دون أن يُغفل حضور مارتن هايدغر ومساهمته المركزية.
الكتاب لا يقدّم الوجودية كمذهب مغلق أو منظومة مكتملة، بل كتيار فكري يتسم بالتنوع، ويتوحّد حول انشغاله العميق بالوجود الإنساني بوصفه وجودًا فريدًا، حُرًّا، ومفتوحًا على الممكن، لكنه في الوقت ذاته عرضة للعبث واللاجدوى. ولهذا، فالوجودية كما يصورها فولكيه ليست دعوة إلى التشاؤم، بل نداء لتحمّل المسؤولية وعيش الحياة بصدق وحرية.
بلغة دقيقة وأسلوب واضح، يوفّق فولكيه بين العمق الفلسفي والطرح التربوي، ما يجعل هذا الكتاب مقدمة ممتازة لفهم الوجودية في أبعادها الفلسفية والإنسانية، بعيدًا عن التبسيط أو التهويل. إنه دعوة للتفكير في الإنسان، لا كمفهوم مجرّد، بل ككائن يُوجد، ويختبر، ويتخذ القرار في عالم مفتوح على المعاناة كما على المعنى.



