كتب : بن معمر الحاج عيسى
في أحد أزقة بلدة بيت فجار قرب بيت لحم، وُلد محمود البوليس عام 1969 ليُصبح حارسًا لذاكرة شعبه، وواحدًا من أولئك الذين اختاروا الفن سلاحًا في وجه النسيان والاحتلال. منذ طفولته، لم تكن ريشته مجرد أداة رسم، بل تحوّلت إلى صوتٍ صامتٍ يدوّي في أرجاء العالم: “نحن هنا.. ولن نُمحى”. بدأ خطواته الأولى بقلم الرصاص، يرسم الوجوه بدقةٍ مدهشة، قبل أن تتحول صوره إلى لوحاتٍ ناطقة بألم الوطن ومقاومته، حيث تنفجر الألوان شاهدةً على دماء الشهداء، ودموع الأطفال، ومفاتيح العودة التي لم تُنسَ.
في الثمانينيات، وسط تصاعد القبضة الاحتلالية على الضفة الغربية، بدأ البوليس مسيرته بأسلوب واقعي كلاسيكي، يلتقط أدق التفاصيل، ثم انطلق نحو السريالية والتجريد، في محاولةٍ لتمثيل واقعٍ يتجاوز الوصف التقليدي. تحوّلت لوحاته إلى توثيق بصري نابض للمقاومة: طفلة من غزة تحمل قلمًا بدل دمية، شيخ يحتفظ بمفتاح بيته في دير ياسين، والقدس تلوح في الأفق كعروسٍ تُنتظر.
مزج بين تقنيات الزيت، الأكريليك، والألوان المائية بلا تردد، مؤمنًا أن كل خامة تُعبر عن جانبٍ من معركة البقاء. وعندما جسّد وجوه شهداء سجن عكا – محمد جمجوم، عطا الزير، وفؤاد حجازي – لم يرسم ملامحهم فحسب، بل استحضر بطولتهم الخالدة. أما لوحاته عن دلال المغربي، فقد تحوّلت إلى قصائد بصرية تمجّد المرأة المقاتلة، وتحيل الرصاصة إلى رمزٍ للمجد.
سلسلة "مجازر غزة" كانت نداءً فنيًا للعالم: جثث الأطفال تحولت إلى فراشات، والدماء إلى أنهارٍ من الذهب، وكأن الفن عنده يُحيل المأساة إلى شهادة حياة.
لم تكن معارضه الفنية مجرد صالات عرض، بل منصات تفاعل إنساني. ففي معرض “فلسطين في قلوبنا” بروسيا (2023)، بكى الزوّار أمام لوحة “أطفال غزة تكتب ولا تكتب مثلكم”، وقال دبلوماسي أوروبي: “لأول مرة أرى الحرب بعيني الضحايا”. وفي معرض “القدس السادس للثقافة” بتترستان (2024)، أصبحت لوحته “عين الله ترعاها” رمزًا للمطالبة بحرية القدس، حيث دمج بين الزخارف الإسلامية والتجريد المعاصر، ليؤكد أن القدس ليست مجرد مكان، بل روح تنبض في وجدان كل فلسطيني.
حتى خارج إطار اللوحة، لم يتوقف عطاؤه. في ترميمه للزخارف الإسلامية في بيوت بيت لحم القديمة، كان يحمل رسالة: "كل حجر نُحييه، هو خطوة نحو مقاومة النسيان". وفي تصميم أغلفة الكتب والبوسترات الوطنية، صارت الأوراق أسلحة ثقافية. أما كتاباته الشعرية، مثل "من سرق عمرك يا وطن؟" و"سفينة أخرى تبحر إلى أرض الوطن"، فتحوّلت إلى أناشيد تُرددها الحناجر في المناسبات الوطنية.
حاز على عدة تكريمات، أبرزها درع "ذاكرة وطن" من المكتبة الوطنية الأردنية، ودرع "فوج التميز"، تقديرًا لمسيرته. حين كرّمته السفيرة البرازيلية في عمّان عام 2014، وقفت أمام لوحته عن مجزرة كفر قاسم قائلة: "هذا الفن علّمني أن العدالة ليست قوانين فقط، بل ضمير يرسمه الفنانون".
وفي خضم مجازر غزة 2023–2024، يعود محمود البوليس من جديد ليوثق بالألوان وجع المرحلة. في سلسلته الجديدة، يمزج بين وجوه الأطفال الضحايا وخريطة فلسطين التاريخية، مستخدمًا ألوانًا مائية ممزوجة بتراب من مخيمات اللاجئين، وكأن صرخته: "حتى ترابنا يرفض أن يصير غبارًا".
رغم مرور أكثر من خمسة عقود على مشواره الفني، لا تزال ريشته تنسج الأمل من قلب الألم، وتعلّم الأجيال أن المقاومة لا تكون بالحجر وحده، بل أيضًا بالجمال الذي لا يُمحى. وكما كتب في إحدى قصائده
"سنبقى هنا.. نرسمُ الوطن على جدرانِ الزمن،
حتى إذا سقطت الجدران، بقيَ الرسمُ شاهدًا..
وبقيَ الدمُ يُنبتُ زيتونًا"



