الكاتب : زياد خداش
مقهيان ــ مطعمان ــ متقابلان وجهاً لوجه، يفصل بينهما شارع، بالقرب من سرية رام الله، أحدهما اسمه (زمن) والآخراسمه (الـمنسي)، (لاحظوا دلالات الأسماء)، أمر عليهما مساء كل يوم تقريباً، فأذهل من تجاورهما (غير الـمفكر فيه) الهادئ والصامت والحضاري، رغم اختلاف بنيتهما الفكرية والشكلية، وطبيعة روادهما وموسيقاهما. زمن للشباب والشابات طلابا ثانويين وجامعيين وموظفين وفنانين، الـمنسي للرجال الكهول أربعينيين وخمسينيين وستينيين وسبعينيين، يقدم (زمن) أحدث وأغرب الـمأكولات والحلويات، ويسمع مرتادوه موسيقى حديثة جداً، بينما يقدم (الـمنسي) الكباب والنرجيلة ويسمع مرتادوه أم كلثوم غالبا.
أثناء مروري السريع من الشارع الذي يفصل بينهما، أكاد أقع مغشياً
من الإثارة حين أسمع موسيقى أغاني أم كلثوم تتداخل مع موسيقى حديثة لأغنية أجنبية أو عربية حديثة، أمضي وقتي أثناء رياضتي مشياً سريعاً في حي الطيرة بالتفكير بهذا الجدل الصامت بين رؤيتين للحياة والإنسان، رؤية النارجيلة والكباب وأم كلثوم والرجال الصامتين الغامضين ورؤية موسيقى البوب والجاز وعمرو ذياب والشبان الصارخين والضاحكين، أعشق تجاور التناقضات، واتفاقهما الصامت على حق كل منهما في الوجود، أصاب بالعجز عن الكلام ابتهاجاً وأنا أشاهد رجل دين يلعب الزهر في مقهى شعبي مع آخر علـماني، الحياة الـمدينية الـمعاصرة تستوعب كل شيء، إحدى علامات التمدن هي تجاور الـمتناقضات واعترافها ببعضها البعض، التشابه قتل وموت، وخواء، كيف تتطور أمة تشبه ذاتها؟ تخيلوا مدينة كل سكانها نسخ عن بعضهم البعض، هذا لا يتضارب مع الهوية العامة للبلد، بالعكس تماماً فالتنوع الداخلي يعمق ويثري هذه الهوية.
أحب هذا الشارع، بكل كثافته الشبابية الحركية وطاقته الجسدية ودلالاته الرمزية، أحبه لأنه يأخذني إلى أطراف يافا، حيث أقف عند دوار مطعم شقيرة الـمغلق آخر شارع الطيرة، فتبدو مدينتي الـمخطوفة الـمحطمة أمامي متمددة باستسلام مشع على مصراعي جسمها اللامع، أقف هناك وأتذكر ما قرأته وما قاله لي جدي عن يافا من عمق تاريخي كبير وتنوع ثقافي عظيم، مدينة حقيقية عصرية كانت موجودة بقوة الاختلاف واصرار التنوع قبل أن يدهمها غزاة يؤمنون بالتشابه القاتل، من شارع صغير في الطيرة إلى ظلال مدينة فلسطينية كبيرة أواصل مشيي شبه الراكض مساء كل يوم بحثاً عن حمية روحي الـمليئة بالشحوم. وزهوا وفرحاً لرؤية ما لا يراه الكثيرون في زحام ضغوط حياتهم، (زمن والـمنسي)، درس في الاختلاف، درس في قوة تحمل أصوات الآخرين، بثقافتهم الاخرى ومزاجهم الـمغاير، يسمع العشاق في (زمن) صوت النارجيلة ويشاهدون دخانها يكاد يصل زجاج مقهاهم، فيبتسمون، ويقولون : هؤلاء هم آباؤنا، يرى ويسمع كهول (الـمنسي) صخب الشبان والشابات، فيبتسمون، ويقولون لبعضهم البعض: هؤلاء هم أبناؤنا، رام الله تعطينا سببا اضافيا لحب جديد لها، التنوع، وتجاور الـمتعدد.
يا فلسطين الـمتنوعة تعالي لنكون اجمل بك وتكونين اجمل بنا.



