آراء

اورشليم ... 

32 مشاهدة
اورشليم ... 

الكاتب : يونس العموري

وبكل الاتجاهات ستجد نفسك مبحرا بالكثير من الشجن والحزن والهم، فعذرا للمسمى، وعذرا لما ورد اعلاه، لكنها قد تكون حقيقة الواقع الراهن بكل حيثياته، فمرة اخرى نجد انفسنا امام الفراغ في القدس، وامام استعراضات وفبركات تدعي حرصها على القدس وعلى عروبتها، وفعل الاسرلة والتهويد واستباحة كل القدس بات العنوان الاعرض والاشمل في المشهد المقدسي السريالي الفسيفسائي المعقد، جراء زحمة قضايا القدس، وتراجعها من اولويات الاهتمامات العملية والفعلية في الاجندة الوطنية الفلسطينية الرسمية وتلك العربية الحاكمة، وكأن القدس التي كانت يوما عنوان القضية ومركز الصراع قد اصبحت اليوم ضحية زحمة الملفات، وضحية الحسابات السياسية التي لا ترى في المدينة الا ورقة تفاوضية او شعارا يرفع في المناسبات، بينما يجري على الارض فعل اخر لا يحتاج الى كثير من التفسير.

وراعي العربدة والبلطجة في العالم، سيد البيت الابيض، اعلنها واضحة صريحة غير قابلة للتغير او التفسير، فالقدس عاصمة اسرائيل، معلنا بذلك حربا شعواء على لسانها العربي وتاريخها الحضاري، وممهدا لصفقة من بوابة القدس يكون عبورها، وسارعت المؤسسة الاحتلالية بالمباشرة بترجمة اولى لبنات العصر وصفقته فعلا واقعيا لا مواربة فيه، وباشرت بسن القوانين بكل القراءات الممكنة، واطلقت العنان لغولها بافتراس انسانية الانسان بالقدس وازقتها وحواريها حتى تصبح الحياة فعلا غير ممكن، وقبلة الله الاولى اغلقت ابوابها في وجه الخوف والقيود، وجلجلة اليسوع اوصدت قلاعها، والطفولة ما زالت المتسللة لثنايا اللحظات تحاول ان تلهو بعيدا عن المدجج بالحقد عند كل زاوية، بينما تتسع المسافة بين القدس التي نريدها والقدس التي يجري فرضها بالفعل يوما بعد يوم... 

وسيد كهنوت العالم اختار الموعد الدقيق في حسابات الترويج والاعلان في ظل الاستهانة والاستكانة والانقسام العربي والفلسطيني والاختلاف ما بين اقطاب الوجودية العربية حتى بجنس الملائكة اناثا كانوا ام ذكورا، وبذكرى فعل الاغتصاب للبشر والحجر في الارض السمراء كان تدشين وافتتاح البيت الجديد للولايات المتحدة بالقارة المكتشفة منذ عشرات السنين، وبذلك كان وسيكون انارة الضوء الاخضر لتل ابيب ان تبدأ بسن القوانين والتغول على الهندي الاحمر الجديد في ايلياء بهدف اقتلاعه واحالته الى كم مهمل على هامش الانسانية واقلية تحاول العيش في الحواري والازقة المهملة من الكل، والكل هنا يعني الكل، اقطاب المعادلة الوطنية الفلسطينية والعرب العاربة ورعاة الدين الحنيف واباطرة القانون والقوانين وحقوق الانسان واصحاب العمائم والكهنة والحافظين لكلام القدير القادر، وكأن القدس كانت تنتظر من الجميع فعلا يتجاوز البلاغة، فيما ظل الفعل اقل كثيرا من حجم الخطر... 

والمشروع الوطني يترنح، واورسالم غائبة مغيبة عن فعل التحدي واسناد مجانينها وعشاقها، بل ان هذا المشروع قد غابت ملامحه واضحت سرابا في وقائع اللحظة الراهنة، وامراء المنصة يتسابقون ويعدون العدة لمرحلة ما بعد الضياع، والقدس حجر الزاوية بالاصطدامات او هكذا يجب ان يكون قد صار اسمها اورشليم العظيمة، ومعذرة للطمة المباشرة، وللحقبة المرة، وللمشهد السوادي، ولبشاعة اللحظة، لكن السنوات التي مرت لم تجعل السؤال اقل وجعا، بل جعلته اكثر قسوة، فكلما ظننا اننا اقتربنا من استعادة القدس اكتشفنا ان الوقائع على الارض كانت تسبقنا بخطوات، وان ما كان تحذيرا بالامس اصبح اليوم جزءا من المشهد الذي نحاول ان نقاومه بالكلمات.

ولم يعد التغول على المقدسي وحده، فالاونروا نفسها باتت هدفا مباشرا في هذا المشهد، فحظر نشاطها في القدس، والتضييق عليها، ومداهمة مقرها الرسمي والتعامل معه كأنه جسم غريب عن المدينة، ثم هدمه، ليست مجرد اجراءات ادارية عابرة، وانما هي في جوهرها محاولة اخرى لاقتلاع شاهد من شواهد الوجود الفلسطيني، وشطب عنوان ارتبط لعقود باللاجئ وحقه وذاكرته، وكأن المطلوب ليس فقط تغيير وجه القدس، وانما اعادة تعريف من يسكنها ومن ينتمي اليها ومن يحق له ان يحمل ذاكرة المكان، وحتى مخيم شعفاط ومركز قلنديا وما يجري فيهما وحولهما من تضييق وملاحقة واقتحامات واجراءات تمس تفاصيل الحياة اليومية، كلها ليست بعيدة عن السياق ذاته، فالمخيم الذي كان عنوانا مؤقتا للجوء صار عنوانا دائما للذاكرة، ولهذا يصبح التضييق عليه تضييقا على الذاكرة نفسها، ويصبح استهداف الاونروا محاولة للتعامل مع قضية اللاجئين باعتبارها ملفا يمكن اغلاقه بقرار او هدم مبنى او اغلاق مكتب.

والمواطن بالقدس اضحى لا هم له الا بابتداع كل السبل والوسائل الممكنة وتلك غير الممكنة او المتاحة ليبقى قابعا ببيت المقدس او باكناف بيت المقدس، في محاولة منه للبقاء ليس اكثر، والكل يطالبه بفعل الصمود والبقاء وفعل البقاء والتمكين، وهذا الفعل لابد له من مقومات ولابد له من اسباب من الضروري توافرها وتوفيرها وتحقيقها حتى يستوي فعل الصمود ليقبع المقدسي ببيت المقدس، فالصمود ليس شعارا يلقى على مسامع من يواجهون الهدم والمصادرة والقيود، وليس بطولة مجانية يطلب من المواطن ان يدفع ثمنها وحده، بل هو فعل يحتاج الى حماية واسناد وتعليم واقتصاد ومؤسسات وبيت ومدرسة وشارع وذاكرة، ويحتاج قبل كل شيء الى ارادة سياسية تعرف ان بقاء المقدسي في القدس هو في حد ذاته فعل مقاومة للزمن الذي يراد له ان يغير وجه المدينة.

ويظل السؤال الاكبر، ما السبيل للخلاص واعادتنا للقدس واماطة اللثام عن مرحلة العجز؟ حيث ان كل المؤشرات تؤكد تراجع البرامج التي من شانها تعزيز المفهوم الوطني العربي بالتفاصيل اليومية في القدس، ولم يعد السؤال فقط عن استعادة القدس في الخطاب السياسي، بل عن استعادة حضورها في الفعل اليومي، في المدرسة، وفي السوق، وفي البيت، وفي المؤسسة، وفي الثقافة، وفي الاقتصاد، وفي قدرة العائلة المقدسية على ان تبقى في مدينتها دون ان تتحول حياتها الى معركة بقاء لا تنتهي.

ولا شك ان خلق وقائع وطنية في القدس من شأنه الاسهام في الابقاء على جذوة الصراع على القدس وفي القدس، واخشى في هذا السياق ان الوقائع الاسرائيلية المفروضة قسرا قد كسبت جولات عديدة بهذا الشأن، سيما ما بعد اقامة جدار الفصل العنصري الذي اصبح التعامل والتعاطي معه كجزء من سياسة الامر الواقع، تلك السياسة التي اعتمدتها كافة الدوائر الاسرائيلية في مسلسل اطباق سيطرتها بالكامل على القدس، وهو الامر الاخطر الذي يقودنا الى ان فرض الامر الواقع اسرائيليا وعدم مجابهته بسياسات الامر الواقع فلسطينيا ايضا قد بات طريقا ذا اتجاه واحد يؤدي الى القدس الاسرائيلية ذات المعالم اليهودية التي يعيش باطرافها اقلية عربية من الضروري الابقاء عليها وفقا للفهم الاسرائيلي حتى يكون بالامكان ان تدعي اسرائيل انها تحترم الاديان والتعددية في القدس، بينما يجري تفريغ المدينة من مضمونها العربي تدريجيا، لا بضربة واحدة، وانما عبر تراكم الوقائع الصغيرة التي تصبح بعد سنوات حقيقة كبيرة يصعب تغييرها.

وهذا ما عملت وتعمل عليه الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، بمعنى انها كانت قد امتلكت الرؤية الاستراتيجية للمراد من القدس وباشرت بالفعل التنفيذي منذ اليوم الاول لاحتلال القدس، وكانت ان استغلت حالة الفراغ الوطني والعروبي وغياب الخطط الوطنية ذات الابعاد العلمية والعملية والمرتبطة بالاجندة الفلسطينية الرسمية، وتحديدا خطط ومخططات السلطة الوطنية، وغياب وتغبيب الهم المقدسي عن دائرة الاهتمام حتى فيما يخص فعل الاستثمار الاقتصادي المرتبط بالفهم الوطني للفعل الاستثماري الذي من شأنه ان يساهم في معركة الوجود العربي في القدس، مع الاخذ بعين الاعتبار تعقيدات الاستثمار ووقائع العملية الاقتصادية ذاتها في القدس جراء السياسات الاسرائيلية بهذا الشأن، ومع ذلك بقيت الحقيقة الاكثر مرارة ان المشروع الاسرائيلي لم يكن ينتظر اكتمال الخطط الفلسطينية حتى يبدأ، بل كان يتحرك فيما نحن نختلف حول العناوين ونؤجل التفاصيل.

والمفارقة التي تستحق ان تسجل في دفتر هذا الزمن ان بعض من يتعاملون مع الارض وكأنها سلعة معروضة للبيع، ثم يجدون انفسهم لاحقا في مواجهة السلطة واجراءاتها، قد يكتشفون بعد ذلك ان للزمن ايضا محاكمه الخاصة، وان من باع ارضا في القدس للاسرائيلي ثم اعتقلته السلطة، قبل ان يخرج من الاعتقال، يمكن له بعد ذلك ان يتجه الى المحاكم الاسرائيلية مطالبا السلطة بالتعويض، فيصدر له الحكم، ويقال ان التعويض بلغ ملايين الشواقل، ثم يكون الحل الاكثر اناقة ان تدفع المقاصة الفلسطينية الثمن .. يا لها من مفارقة تصلح لان تكون مشهدا من مسرح العبث السياسي، فحتى الارض التي بيعت، وحتى القضية التي اعتقل بسببها، وحتى الحكم الذي صدر، يبدو انها وجدت طريقها في النهاية الى خزينة المقاصة، وكأن القدس لا يكفيها ان تخسر بعض ارضها، بل عليها ايضا ان تدفع فاتورة من باعها ومن اعتقلته ومن حكم له بعد ذلك. وهنا لا تعود المسألة بحاجة الى كثير من التعليق، فالسخرية في هذه الحالة ليست من الكاتب، وانما من المشهد نفسه، ومن تلك القدرة العجيبة على تحويل المأساة الى معادلة قانونية ومالية يكون المواطن والوطن فيها هما الطرف الذي يدفع دائما.

وكل هذا ومع العلم المسبق لدى الكل الفلسطيني الرسمي وغير الرسمي، نجد اننا لا نعمل سوى القليل القليل من حالات الاعلان اليومي بالصحف عن مشاريع اعلامية اعلانية لما يسمى بمسؤولي المدينة والمتربعين على عرش تصريحاتهم والمحذرين بالتهديد والعويل الاعلاني الاعلامي بهدف تمظهرهم بمنطق الحضور الكثيف اعلاميا، ومن يتابع ويقرأ تصريحات هؤلاء يعتقد انه امام حركة دائبة ودؤوبة في القدس تقض مضاجع الاحتلال وبرامجه، مع ان الواقع المقدسي مخالف تماما لما يبدو بخلفية المشهد الاعلاني الاعلامي هذا، وكأن التصريح قد تحول الى بديل عن الفعل، والمؤتمر الصحافي الى بديل عن الخطة، والاعلان الى بديل عن الحضور، فيما المواطن المقدسي يريد من يسنده في تفاصيل حياته لا من يضيف اسمه الى قائمة المتحدثين عن القدس.

لا شك ان معطيات اللحظة الراهنة في القدس تؤكد ان الواقع الحالي بدأ بالاستسلام للامر الواقع، حيث التعاطي بالشأن الحياتي الطبيعي صار يأخذ الشكل الدراماتيكي بالتعامل مع المؤسسات الاسرائيلية ذات الشأن وعلى مختلف الصعد والجبهات، فاذا ما اتجهنا صوب العملية التعليمية نلاحظ ان هذه الجبهة قاب قوسين او ادنى لاستكمال الفعل التهويدي الكامل المتكامل، حيث ان فرض المنهاج الاسرائيلي على المدارس العربية قد اصبح الحقيقة، والمواجهة هنا مقتصرة حتى اللحظة على عقد المؤتمرات الصحافية وعقد ورش العمل من قبل منظمات ال " ان جي اوز" ودعوات خجولة تصدر من هنا او هناك، في ظل انهيار فعلي وحقيقي في المسيرة التعليمية على الجبهة الاخرى، مما يهدد انهيار جهاز التعليم الوطني جراء غياب الخطط الاستراتيجية ذات الامكانيات الداعمة لها وروافعها الحقيقية التي من المفروض توافرها حتى يستطيع هذا الجهاز الصمود وبالتالي من المواجهة، لان المعركة على القدس ليست فقط معركة حجارة وارض، وانما هي معركة عقل وذاكرة وهوية، ومن يخسر المدرسة يخسر جزءا من المستقبل حتى لو بقيت له كل شعارات الماضي.

وبالمقابل فان الفعل الاستيطاني وتكثيف قضم الاراضي الفلسطينية بالشكل العلني في ظل تواصل الفعل التسووي والبحث عن رعاة جدد للعمل التفاوضي وتكثيفه، والقدس تتحول الى اورشليم بالشكل الفعلي مع اختفاء المعالم الفلسطينية العربية بالمشهد المقدسي عموما، لم يعد مشهدا عابرا او مؤقتا، بل اصبح واقعا يتقدم كل يوم، فيما لا تزال الردود الفلسطينية في كثير من الاحيان محكومة بمنطق رد الفعل، وكأننا لا نزال نطارد الوقائع بعد وقوعها بدلا من صناعة الوقائع التي تحمي وجودنا وتثبت حضورنا.

ان القدس تعيش واحدة من اخطر مراحلها، ولابد ان تكون وقفة فعلية وشجاعة لمواجهة ومجابهة وقائع القدس الراهنة والتصدي للمشروع الاورشليمي، وهذا يتطلب اولا اعادة صياغة منظومة التعاطي الفلسطيني الرسمي مع هموم وقضايا المدينة على اساس وضع الخطط الكفيلة بمعالجة كافة القضايا بشيء من الاهتمام والرعاية وعدم الاهمال من قبل المؤسسات ذات الشأن والعلاقة في المؤسسة الفلسطينية الرسمية، وبذات الوقت لابد من مواجهة الذات الوطنية والاعتراف ان ثمة انهيارا فعليا وحقيقيا في مداميك الحركة الوطنية الفلسطينية المقدسية، الامر الذي يهدد بالتالي امكانية مواجهة المشروع الاورشليمي بكل ابعاده واهدافه، وما لم نمتلك شجاعة الاعتراف بالعجز فلن نمتلك شجاعة تجاوزه، وما لم تتحول القدس من ملف في البيانات الى قضية في السياسات والميزانيات والمؤسسات، فان كل حديث عن استعادتها سيظل ناقصا مهما ارتفع صوته.

ولابد من اعادة الاعتبار للمؤسسات المقدسية التي تم تهميشها وتفريغها من محتوياتها بقصد او بدون قصد جراء فعل التجفيف الذي قد يكون مقصودا ومبرمجا من قبل اصحاب العلاقة، مما ادى الى تراجع في دور هذه المؤسسات على مختلف التوجهات والاختصاصات والتخصصات، فالمؤسسة المقدسية ليست تفصيلا هامشيا، وانما هي جزء من قدرة المدينة على حماية ذاتها، وكل مؤسسة تغلق ابوابها او تفقد دورها او تتحول الى هيكل بلا قدرة على الفعل هي مساحة اخرى تترك فارغة، والفراغ في القدس لا يبقى فراغا طويلا، بل سرعان ما تملؤه قوة اخرى وفق مشروعها ورؤيتها ومصالحها.

ولابد من اعادة الاعتبار للدور الجماهيري الشعبي من خلال توفير السقف والحماية لها في حالة التواجه والمواجهة مع المشروع الاسرائيلي، لا ان تذهب جماهير القدس لتواجه ولا تجد من يساندها ويدعمها، فليس من العدل ولا من الوطنية ان نطالب المقدسي بالصمود ثم نتركه وحيدا في مواجهة كل اشكال الضغط، وليس من المنطق ان نطلب منه ان يحمي البيت والمدرسة والشارع والهوية بينما لا نوفر له الحد الادنى من مقومات البقاء، فالقدس لا تحمى من خلف المكاتب، ولا تصان بالتصريحات، ولا تبقى عربية بالامنيات.

فان كان المطلوب التصدي لسياسة هدم المنازل وايقاف مهزلة الهدم الذاتي، فلابد اذن من اسناد هذا المواطن وتمكينه من الصمود بوجه اليات وممارسات الاحتلال، لا ان يتحول هذا المواطن الى مستجد على اعتاب من يعتبر نفسه مسؤولا هنا او هناك، فالمواطن الذي يهدم بيته بيده ليس بحاجة الى خطبة في الصمود، بل بحاجة الى بديل حقيقي يحمي حقه في البيت والحياة، والمقدسي الذي يواجه الغلاء والضرائب والحواجز وسياسات التضييق ليس بحاجة الى من يزايد على انتمائه، بل الى مشروع وطني يرى في بقائه في مدينته اولوية لا تقبل التأجيل.

اعتقد ان القدس تعيش اليوم مرحلة اخطر من الخمس دقائق الاخيرة التي تفصلها عن اورشليم، فقد مرت سنوات منذ كتبت هذه الكلمات، وتغيرت اشياء كثيرة، لكن السؤال لم يتغير، بل ربما اصبح اكثر ايلاما وقسوة، فاورشليم لم تعد مجرد عنوان يخيفنا في المستقبل، وانما مشروع يتقدم في الحاضر، والقدس لا تزال تقاوم بما تملك، والمقدسي لا يزال يحاول ان يبقى قابعا ببيت المقدس او باكناف بيت المقدس، لكن الزمن الذي كان يمنحنا فرصة للتأجيل لم يعد رحيما بنا كما كان، والاونروا تحاصر في القدس، والمخيم يضيق، والمؤسسة تهدم، والارض تباع ثم تعود الينا في صورة قضية وتعويض، وكأن المشهد كله مصمم كي يثبت لنا ان العبث يمكن ان يصبح سياسة، وان العجز يمكن ان يصبح ادارة، وان الخسارة يمكن ان تتحول الى فاتورة يدفعها من بقي متمسكا بالقدس.

واللبيب لابد ان يفهم من الاشارة والاشارات كثيرة هذه الايام، والسؤال الذي يبقى مفتوحا ليس فقط هل من لبيب حتى يلتقط حقيقة الواقع والمطلوب حاليا لنصرة ما تسمى حتى الان بالقدس، بل هل بقي لدينا من الوقت ما يكفي كي نلتقط الاشارة قبل ان يصبح الاعتراف بالعجز مجرد شهادة على ضياع ما كنا نظنه عصيا على الضياع؟

 

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية