محليات

تقرير : جسر الملك حسين.. معبر الألم الفلسطيني بين قبضة الاحتلال ووعود الإصلاح

39 مشاهدة
تقرير : جسر الملك حسين.. معبر الألم الفلسطيني بين قبضة الاحتلال ووعود الإصلاح

عمان-أريحا-رام الله-وكالات- في مشهد يتكرر يومياً على تخوم الأردن وفلسطين، يتحول جسر الملك حسين (معبر اللنبي)، الشريان الوحيد الذي يصل الضفة الغربية بالعالم، من مجرد نقطة عبور حدودية إلى ممر للآلام الإنسانية، حيث تختلط فيه معاناة المرضى وكبار السن والأطفال بالقيود الإسرائيلية التعسفية، وضعف البنية التحتية، وإجراءات إدارية مربكة، تحول رحلة السفر إلى محنة نفسية وجسدية، قبل أن تكون خطوة نحو العلاج أو العودة إلى الأهل.

 جرح جديد فوق جرح..  
لم تكن السيدة الفلسطينية هنادي الحموري، التي كانت تبحث عن شفاء عاجل في مستشفى السلط بالأردن، تتخيل أن عبورها الجسر قبل أسابيع سينتهي بإصابة جديدة تضاف إلى معاناتها. ففي خضم ازدحام خانق وتدافع محموم بين مئات المسافرين، سقطت الحموري على الأرض، لتنكسر قدمها، وتتحول رحلة العلاج إلى قصة مؤلمة جديدة ترويها اليوم، وهي لا تزال تعاني من آثارها الجسدية والنفسية. وأكدت أنها تقدمت بشكوى رسمية للجهات الأردنية المختصة، مطالبة بكشف ملابسات الحادثة وتحديد المسؤوليات.

لكن قصة الحموري ليست استثناءً، بل هي نموذج مختزل لمعاناة يومية يعيشها آلاف الفلسطينيين، الذين صار عبور الجسر بالنسبة لهم بمثابة "ممر محفوف بالمخاطر"، حيث تتداخل ساعات الانتظار الطويلة تحت أشعة الشمس الحارقة أو تحت المطر، مع إجراءات غير واضحة، وإغلاقات مفاجئة يفرضها الاحتلال، في مشهد يزداد قسوة خلال الأعياد والعطل الصيفية.

شريان حياة في قبضة الاحتلال..  
بالنسبة لفلسطينيي الضفة الغربية، لا يمثل جسر الملك حسين مجرد معبر حدودي، بل هو منفذ وحيد إلى العالم، نافذة يتنفسون من خلالها، ويربطون بها أحلامهم بالدراسة، والعلاج، والعمل، ولم شمل العائلات. ولكن هذا الشريان الحيوي يقع تحت سيطرة إسرائيلية شبه كاملة، حيث تُحدد تل أبيب ساعات عمله، وقدرته الاستيعابية، وتقرر إغلاقه فجأة دون سابق إنذار، في سياسة ممنهجة، يراها مراقبون جزءاً من حصار أوسع يطبق على الفلسطينيين، ويحول حياتهم اليومية إلى روتين من التحديات.

ويؤكد مسافرون، فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من عرقلة سفرهم مستقبلاً، أن المقاعد المتاحة عبر المنصة الإلكترونية تنفد في غضون دقائق، مما يدفع كثيرين لتأجيل خططهم، أو تغيير مساراتهم، أو البقاء عالقين خارج بلادهم لفترات طويلة. ويضيفون أن النظام الإلكتروني، الذي كان من المفترض أن يكون حلّاً، تحول إلى عقبة جديدة، فالذين يحجزون مواعيدهم لا يجدون ضمانة لعبور سلس، حيث تبدأ معاناتهم الحقيقية لحظة وصولهم إلى الجسر، ليواجهوا سلسلة من نقاط التفتيش، وتدقيق الأوراق، وتسليم الأمتعة، في إجراءات معقدة ومتكررة.

شهادات من قلب الجحيم..  
تجسد الفلسطينية نائلة مزاهرة، المقيمة في الإمارات، صورة أخرى من هذه المعاناة، إذ تصف رحلتها عبر الجسر بأنها "واحدة من أكثر تجارب السفر إرهاقاً في حياتها". وتقول إنها وصلت في موعدها المحدد وفق الحجز الإلكتروني، لكنها فوجئت بفوضى عارمة وازدحام لا يطاق، واضطرت لحمل حقائبها الثقيلة لمسافات طويلة لغياب عربات النقل، وفي مشهد مؤلم، رأت كبار السن والأطفال يقفون تحت المطر لساعات، بينما كان بعضهم يعاني من الإرهاق الشديد. وتضيف أن إغلاق المعبر إثر ساعات من الانتظار أجبرها على العودة إلى عمان، وتحمل تكاليف إقامة إضافية، وإهدار وقتها، وتكبد مزيد من الإرهاق النفسي.

أما محمد مازن، الذي حاول العودة إلى الضفة، فيروي أنه أمضى ساعات طويلة في الطابور، ليفاجأ بأن العدد المسموح به قد اكتمل، مما اضطره للعودة أدراجه دون عبور، متكبّداً خسائر مادية نتيجة الإقامة وتغيير المواعيد، في مشهد يكرس يوماً بعد يوم شعوراً بالعجز والإحباط.

وفي جانب آخر من القصة الإنسانية المأساوية، تشكل خدمات نقل الأمتعة أزمة موازية، حيث يجد المسافرون، وخاصة كبار السن والمرضى والعائلات، أنفسهم مرغمين على الاستعانة بـ "العتالين" الذين يفرضون أجوراً باهظة، فيما يواجه آخرون صعوبات إضافية وترهيباً إذا حاولوا نقل أمتعتهم بأنفسهم. وتتضاعف المخاوف مع حالات تأخر أو فقدان الحقائب، لتتحول رحلة العبور إلى كابوس لوجستي يضرب كرامة الإنسان.

 أردنياً.. وعود إصلاحية واعتراف بحجم الكارثة ..
على الجانب الأردني، دخل ملف الجسر بقوة إلى الواجهة بعد تصريحات نارية لوزير الداخلية الأردني مازن الفراية، وصف فيها واقع الخدمات على الجسر بـ"الزبالة"، في اعتراف رسمي لافت بحجم الأزمة التي يعيشها المسافرون. لكن الفراية، في توضيحه، شدد على أن الجسر يتمتع بخصوصية مختلفة عن غيره من المعابر، مؤكداً أن ساعات العمل والأعداد المسموح بها تخضع لإجراءات إسرائيلية تعسفية، تشمل الإغلاقات المفاجئة وتقليص أوقات التشغيل، مما يقيّد قدرة عمان على تنظيم الحركة بكفاءة.

ونفى الفراية اتهامات سوء المعاملة، مؤكداً أن الأردن يتعامل مع الجسر بوصفه ممراً إنسانياً، وكشف عن مشاريع تطوير للبنية التحتية، تشمل قاعات انتظار جديدة ومظلات ومرافق خدمية، في محاولة لتخفيف العبء عن المسافرين، ومعالجة جوانب الإدارة والخدمات التي تقع ضمن صلاحياته.

وفي خطوة دبلوماسية هامة، عقد الفراية لقاء مع وزير الداخلية الفلسطيني زياد هب الريح في عمان، بحثا خلاله سبل تحسين الحركة والتخفيف من المعاناة، واتفقا على عقد لقاء ميداني مشترك على الجسر يوم الخميس المقبل، لمتابعة الأوضاع وتقييم الإجراءات المتخذة، في مؤشر على تنسيق فلسطيني-أردني متصاعد لمواجهة أزمة إنسانية وسياسية متشابكة.

وفي سياق متصل، كشف النائب الأردني محمد جميل الظهراوي ، أن الملف وصل إلى مكتب رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان، الذي تعهد بمتابعته شخصياً والعمل على إيجاد حلول عاجلة، في رسالة تؤكد أن الأزمة تجاوزت البعد التقني إلى أولوية سياسية عليا.

 أزمة متشابكة.. احتلال وتعنت وإدارة منهكة ..
ويرى باحثون ومختصون أن أزمة جسر الملك حسين لا يمكن اختزالها في جوانب تشغيلية أو لوجستية فحسب، بل هي نتاج تداخل ثلاثي معقّد: عوامل سياسية تتمثل في الهيمنة الإسرائيلية الكاملة على المعبر، وفرض قيود تعسفية تهدف إلى عزل الفلسطينيين وتقييد حركتهم؛ وعوامل إدارية تتعلق بغياب التنظيم الفعال، والبيروقراطية المعقدة، وضعف التنسيق أحياناً؛ وعوامل بنيوية تشمل نقص الخدمات الأساسية، وضعف البنية التحتية، وانتشار ممارسات استغلالية يتحمل تكاليفها المسافر الفقير قبل الغني. وتشير تقديرات معهد السياسة والمجتمع الأردني إلى أن هذه العوامل مجتمعة تضاعف معاناة المواطنين، وتحوّل عبوراً حدودياً مفترضاً إلى تجربة انتهاك ممنهج للكرامة الإنسانية.

مطالب بحلول فورية..
وسط هذه الأوضاع المتردية، تتزايد المطالب بإجراءات فورية، تشمل:

-تمديد ساعات العمل بشكل ثابت ومعلن.
-زيادة الطاقة الاستيعابية للمعبر.
-تحسين إدارة الطوابير وتوفير مسارات خاصة لكبار السن والمرضى والأطفال.
-مراجعة نظام الحجز الإلكتروني وتبسيط الإجراءات البيروقراطية.
-توفير عربات لنقل الأمتعة وتنظيم عمل "العتالين" بشكل عادل وشفاف.
وفي هذا السياق، أكد الناشط الفلسطيني أمين عنابي، منسق مبادرة "حقنا الجسر 24/7"، أن المبادرة تقدمت بمقترحات عملية شاملة، تشمل إنشاء قاعة استقبال متكاملة، وتطوير آليات العمل، وإعادة هيكلة نظام الحجوزات، وصولاً إلى العمل على مدار الساعة، باعتبار ذلك حقاً أساسياً للفلسطينيين في حرية التنقل.

وشدد عنابي على أن السلطات الإسرائيلية تتحمل المسؤولية الأساسية عن تفاقم الأزمة، بسبب سياساتها التعسفية وقيودها غير القانونية، لكنه دعا في الوقت نفسه جميع الأطراف المعنية، خاصة الجانبين الأردني والفلسطيني، إلى تحمل مسؤولياتهم ضمن نطاق صلاحياتهم، وتعزيز التنسيق المشترك، وتكثيف الجهود الدبلوماسية للضغط على الاحتلال لإزالة العقبات التي تحول دون تنقل الفلسطينيين بحرية وكرامة، مؤكداً أن استمرار هذه المعاناة يمثل وصمة عار في جبين المجتمع الدولي الصامت.

 

 
 

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية