آراء

رسالة مقدسية... نعم، ندافع عن حمدين صباحي ..

15 مشاهدة
رسالة مقدسية... نعم، ندافع عن حمدين صباحي ..

الكاتب : يونس العموري

كثر الكلام في الايام الاخيرة عن حمدين صباحي، وكأن التاريخ السياسي للرجل بدأ بجملة قيلت هنا او موقف قيل هناك، وكأن اكثر من نصف قرن من السياسة والاشتباك والمواقف والسجون والانتخابات والشارع والعروبة وفلسطين ومصر يمكن ان يوضع كله في ميزان لحظة واحدة، ثم يصدر الحكم وينتهي الامر. وهذا في الحقيقة ليس نقدا لحمدين صباحي بقدر ما هو افلاس في قراءة الرجل، وعجز عن مواجهته بوصفه مشروعا سياسيا وفكريا له امتداده، فيلجأ اصحاب هذا النوع من الكتابة الى اقتطاع اللحظة من سياقها، ثم يقدمون الجزء باعتباره الكل، والجملة باعتبارها التاريخ، والخلاف مع موقف باعتباره اسقاطا لمسار كامل.

انا ادافع عن حمدين صباحي من موقع مختلف تماما. لا ادافع عن رجل لانه لا يخطئ، ولا اؤمن اصلا بالسياسي الذي يحتاج الى هالة من القداسة كي يبقى محترما. انا ادافع عنه باعتباره واحدا من القلائل الذين ظلوا يحملون في السياسة المصرية شيئا من معنى السياسة نفسها، وباعتباره رجلا لم تكن السياسة عنده مجرد وظيفة او مقعد او موقع او سلطة، وانما كانت موقفا وانحيازا وفكرة وصراعا مفتوحا مع ما يراه خطأ. ومن هنا فان محاولة اختزال حمدين في موقف واحد ليست مجرد ظلم للرجل، بل هي ايضا تزوير لطبيعة تجربته، لان من يريد ان يحاكم مسارا سياسيا عليه ان يقرأ المسار كله، لا ان ينتقي منه الصفحة التي تخدم حكمه المسبق.

حمدين صباحي ليس رابعة، وليس الاخوان، وليس 30 يونيو، وليس الانتخابات الرئاسية وحدها، وليس بيانا صدر في لحظة سياسية عاصفة. حمدين هو كل هذا التاريخ الذي سبق هذه اللحظات ورافقها وتجاوزها. هو الطالب الذي اختار منذ شبابه المبكر ان يكون في موقع المعارضة، وهو العروبي الذي لم يتعامل مع العروبة كشعار احتفالي او لافتة تعلق في المناسبات، وانما باعتبارها موقفا من مصر ودورها، ومن فلسطين وموقعها، ومن الاستقلال والسيادة والعدالة الاجتماعية. هو الذي دخل في صدامات سياسية ودفع اثمانا شخصية، واعتقل وسجن، ووقف في مواجهة نظامين سياسيين متعاقبين، ثم ظل حاضرا في المجال العام حين كان الصمت اكثر امانا واقل كلفة.

ومن موقعي كمقدسي، لا استطيع ان اقرأ حمدين صباحي بوصفه سياسيا مصريا فقط. هناك شيء يتجاوز الجغرافيا المصرية في الرجل، شيء يجعلني اراه من زاوية فلسطين وخصوصا القدس، ومن زاوية تلك العلاقة التاريخية التي لم تكن يوما قابلة للفصل بين مصر وفلسطين. بالنسبة لي، ليست فلسطين تفصيلا في السيرة السياسية لحمدين، وليست العروبة عنده زينة لغوية. الرجل كان يرى ان مصر لا يمكن ان تتخلى عن دورها العربي، وان فلسطين ليست قضية خارجية يمكن ان تترك على هامش السياسة، وان القدس ليست مجرد عنوان في بيانات التضامن. ولهذا فانني، حين انظر الى تاريخه، لا ارى فقط سياسيا مصريا اختلف معه او اتفق معه، بل ارى امتدادا لذلك التيار العربي الذي كان يعتبر ان استقلال مصر لا ينفصل عن دورها، وان كرامتها لا تنفصل عن فلسطين، وان السياسة لا تصبح وطنية حين تنغلق على حدودها.

ولذلك تحديدا يزعجني هذا الهجوم الذي يحاول ان ينال من الرجل عبر تحويل تاريخه كله الى ملف اتهام واحد. فهناك فرق كبير بين ان تنتقد حمدين صباحي، وهذا حق مشروع، وبين ان تحاول اغتيال تاريخه السياسي والفكري. الفرق بين الاثنين هو الفرق بين السياسة والخصومة، وبين النقد والتشويه. انا لا اقول ان حمدين فوق النقد، ولا اقول ان كل مواقفه كانت صحيحة، ولا ارى في مراجعة السياسي لمواقفه عيبا. على العكس، السياسي الذي لا يراجع نفسه اخطر من السياسي الذي يعترف بخطئه. لكنني ارفض ان تتحول المراجعة الى ذريعة لمحو التاريخ، وان يتحول الاختلاف الى محاولة لنزع الشرعية عن رجل قضى عقودا في المجال العام.

والغريب ان بعض الذين يهاجمون حمدين اليوم لا يناقشون الرجل بقدر ما يحاولون اعادة تعريفه. يريدون ان يقولوا لنا من هو حمدين، وكأننا لم نعرفه، وكأن تاريخه لم يكن امامنا، وكأن الرجل ظهر فجأة على شاشة في الايام الاخيرة. لم يقرأوا الكتاب، قرأوا هامشا منه ثم صادروا الكتاب كله. لم يناقشوا المسار، فتعلقوا باللحظة. لم يستطيعوا مواجهة الفكرة، فذهبوا الى الشخص. وهذه واحدة من اكثر الطرق ابتذالا في الخصومة السياسية ... حين تعجز عن هدم الفكرة، حاول ان تهدم صاحبها، وحين تعجز عن مناقشة التاريخ، حاول ان تصنع للرجل تاريخا جديدا يناسب خصومتك معه.

انا لا اعبد الاشخاص، ولا اؤمن بالرموز التي لا تخضع للمساءلة، لكنني في الوقت نفسه لا اقبل ان تتحول السياسة الى دفتر سوابق، ولا ان يصبح مطلوبا من السياسي ان يثبت انه لم يخطئ طوال حياته حتى يستحق ان يسمع له. لو كان هذا هو المعيار، لما بقي في التاريخ السياسي رجل واحد يستحق الاحترام. الفرق بين السياسي الحقيقي والموظف السياسي ان الاول يعيش السياسة بكل تناقضاتها، يتقدم ويخطئ ويصيب ويصطدم ويراجع ويخسر ويعود، اما الثاني فيعيش على هامشها، لا يخطئ لانه لا يفعل شيئا، ولا يراجع نفسه لانه لم يغامر بموقف، ولا يدفع ثمنا لانه اختار دائما الموقع الاكثر امنا.

وحمدين كان في السياسة لا على هامشها. وهذه نقطة لا يستطيع خصومه محوها مهما كتبوا. كان موجودا في المعارضة حين كانت المعارضة مكلفة، وكان موجودا في الشارع حين كان الشارع يخيف السلطة، وكان موجودا في البرلمان حين كان البرلمان مساحة للصراع، وكان موجودا في الثورة حين كانت الثورة لحظة مفتوحة على كل الاحتمالات، ودخل الانتخابات الرئاسية منافسا لا يبحث فقط عن مقعد، بل حاملا معه مشروعا سياسيا واجتماعيا وعروبيا يعرفه المصريون والعرب. قد تختلف معه في تفاصيل هذا المشروع، وقد تختلف معه في تقدير مرحلة او موقف، لكنك لا تستطيع ان تتعامل مع الرجل كما لو انه طارئ على السياسة المصرية او وليد اللحظة.

ثم هناك مسألة اكبر من حمدين نفسه، وهي التي يحاول بعض مهاجميه تجاوزها عمدا .. ماذا يعني ان نهاجم رجلا بهذه الخلفية العروبية اليوم؟ ماذا يعني ان تصبح العروبة نفسها عبئا يحتاج صاحبه الى الاعتذار عنه؟ ماذا يعني ان يصبح الحديث عن فلسطين والسيادة والاستقلال والعدالة الاجتماعية وكأنه بقايا من زمن مضى؟ من موقعي كمقدسي، اقولها بوضوح .. انا لا استطيع ان انظر الى هذه المسألة باعتبارها خلافا مصريا داخليا فقط. مصر بالنسبة لنا ليست دولة بعيدة عن فلسطين، ولا يمكن ان تكون كذلك. ومن ثم فانني حين ادافع عن حمدين صباحي لا ادافع عن شخص مصري من خارج مصر، بل ادافع ايضا عن معنى سياسي عربي كنت وما زلت اراه ضروريا في زمن يجري فيه تفريغ المنطقة من كل معنى عربي جامع.

اخجل من زمن اصبح فيه الدفاع عن رجل ذي تاريخ عروبي يحتاج الى كل هذا التبرير، واخجل اكثر من ان يصبح العروبي هو المتهم، بينما الذين امضوا اعمارهم في تبديل المواقع وتغيير الخطاب بحسب اتجاه الريح يقدمون انفسهم باعتبارهم اصحاب الحقيقة النهائية. السياسة ليست مسابقة في النقاء، والتاريخ ليس محكمة يترأسها المنتصرون في كل لحظة، والوطنية ليست شهادة تمنحها جهة اعلامية او سلطة او تيار سياسي لمن تشاء وتحجبها عمن تشاء.

قد نختلف مع حمدين، بل يجب ان نختلف معه حين نرى انه اخطأ، وقد نعارض بعض مواقفه، وهذا جزء طبيعي من احترام الرجل لا من اهانته. لكن هناك فارقا هائلا بين ان تقول لحمدين .. هنا اخطأت، وبين ان تقول لحمدين ..كل تاريخك كان خطأ. الاول نقد سياسي، والثاني محاولة لمحو ذاكرة. الاول حق، والثاني خصومة. الاول يمكن ان يفتح نقاشا، اما الثاني فلا ينتج الا مزيدا من الضجيج.

ولهذا اقول لمن يهاجمون حمدين صباحي اليوم: اختلفوا معه كما شئتم، ناقشوا مواقفه، حاسبوه على اخطائه، حتى اذهبوا في نقدكم الى اقصى ما تستطيعون، لكن لا تتصرفوا وكأنكم اكتشفتم الرجل بالامس. لا تحاكموا عقودا من تاريخه من ثقب موقف واحد، ولا تجعلوا من خلافكم معه مناسبة لدفن الرجل سياسيا وفكريا. فمن يريد ان يهدم المسار عليه اولا ان يقرأه، ومن يريد ان يسقط الفكرة عليه ان يناقشها، ومن يريد ان ينال من الرجل عليه ان يواجه الرجل كله، لا نسخة مبتورة منه صنعها لنفسه ثم راح يحاكمها... 

حمدين صباحي ليس معصوما، ولم يكن يوما بحاجة الى ان يكون كذلك حتى يستحق الاحترام. لكنه ايضا ليس رجلا عابرا في السياسة المصرية، ولا اسما طارئا على تاريخها، ولا شخصية يمكن شطبها بمقال او حملة او موجة غضب عابرة. هذا الرجل دفع من عمره ومن حريته ومن راحته ومن موقعه السياسي اثمانا لمواقف اتخذها، وبقي واقفا في مساحة المعارضة حين كانت المعارضة كلفة لا امتيازا، وحين كان الاقتراب من السلطة اكثر ربحا من الوقوف في وجهها. ومن موقعي كمقدسي، لا استطيع ان افصل احترامي لحمدين عن ذلك المعنى العربي الذي حمله الرجل طوال تاريخه، وعن فلسطين التي لم تكن عنده ورقة للمزايدة، وعن القدس التي لا يمكن لعربي حقيقي ان يتعامل معها كخبر عابر او قضية مؤجلة.

ولهذا اقولها بلا مواربة .. انا لا ادافع عن حمدين صباحي لانه لا يخطئ، بل ادافع عنه لان خطأه لا يلغي تاريخه، ولان مراجعته لنفسه لا تمنح خصومه الحق في محو ما صنعه طوال عقود. ادافع عنه لانني ارفض ان يصبح الاعتراف بالخطأ جريمة، وان تتحول المراجعة الى مناسبة للاغتيال السياسي، وان يصبح تاريخ الرجل كله رهينة لمن يريدون اختزاله في لحظة. وادافع عنه ايضا لانني اعرف الفرق بين نقد السياسي ومحاولة اسقاطه، وبين محاسبة الموقف ومحاكمة التاريخ، وبين الاختلاف مع الرجل والرغبة في اهانة كل ما مثله الرجل... 

ولمن يريدون النيل من حمدين صباحي اقول .. لا تستطيعون اسقاط رجل بمجرد انكم وجدتم في تاريخه ما يمكن ان تستخدموه ضده. التاريخ اكثر اتساعا من حملاتكم، والرجل اكبر من جملتكم، والمسار اطول من اللحظة التي تريدون حبسه فيها. تستطيعون ان تختلفوا معه، وان ترفضوا مواقفه، وان تكتبوا ضده ما تشاؤون، لكنكم لن تستطيعوا ان تجعلوا عقودا من النضال والمعارضة والعروبة وفلسطين والسياسة المصرية كأنها لم تكن. ومن يريد ان يحاكم حمدين فليحاكمه كله، لا النسخة التي صنعها خصومه عنه... 

اما انا، فمن موقع مقدسي لا اتردد في القول انني احترم في حمدين صباحي قبل اي شيء انه لم يخجل يوما من عروبته، ولم يتعامل مع فلسطين كعبء على السياسة المصرية، ولم ير في الاستقلال والسيادة والعدالة الاجتماعية شعارات من زمن مضى. قد اختلف معه في السياسة، وقد اختلف معه في التقدير، وقد ارى انه اخطأ هنا او اصاب هناك، لكنني لن انضم الى الذين يريدون تحويل اختلافاتهم معه الى محكمة لتاريخه. فهناك رجال نختلف معهم ونبقى نحترمهم، وهناك رجال لا نختلف معهم لانهم ببساطة لم يغامروا يوما بموقف يستحق الاختلاف. وحمدين من الصنف الاول... 

لهذا، نعم، انا ادافع عن حمدين صباحي. ادافع عن الرجل، وعن مساره، وعن تاريخه، وعن حقه في ان يخطئ ويراجع ويصيب ويختلف ويعود، وعن حقه في ان يبقى صاحب موقف حتى حين لا يعجب موقفه الجميع. ادافع عنه لانني ارى في الهجوم عليه اليوم شيئا يتجاوز شخص حمدين، ارى محاولة للنيل من معنى كامل اسمه المعارضة، والعروبة، والاستقلال، وفلسطين، والسياسة التي لا تخجل من ان تقول لا حين يكون قول لا هو الموقف الوحيد الذي يحفظ للسياسي شيئا من كرامته.

وحمدين صباحي، بالنسبة لي، ليس رجلا يحتاج الى شهادة حسن سلوك من احد. تاريخه هو شهادته. ومواقفه هي التي تقول من يكون. ومن اراد ان يسقط الرجل فليأت اولا بما هو اكبر من تاريخه، ومن اراد ان يهدم صورته فليقدم شيئا يوازي ما دفعه الرجل ثمنا لمواقفه. اما ان نقتطع من الرجل لحظة، ثم نضعها فوق عقود كاملة، فهذه ليست محاكمة لحمدين صباحي، بل محاكمة لضمير من يحاكمه.

وسيظل من حقي، كمقدسي يرى فلسطين من قلب مصر ويرى مصر من قلب فلسطين، ان اقول ..  حمدين صباحي ليس ملكا لي ولا ملكا لغيري، لكنه ايضا ليس ملكا لخصومه كي يعيدوا كتابة تاريخه كما يشاؤون. اختلفوا معه كما تشاؤون، انتقدوه كما تشاؤون، حاسبوه على اخطائه كما تشاؤون، لكن لا تحاولوا ان تنتزعوا منه تاريخه. فهذا التاريخ لم يكتب بالحبر وحده، وانما كتب بالموقف، وبالسجن، وبالمعارضة، وبالعروبة، وبفلسطين، وبسنوات طويلة من الوقوف في الجهة التي لم تكن دائما الجهة الاسهل. ولهذا بالضبط، سأظل اختلف مع حمدين حين اختلف، وانتقده حين ارى انه يستحق النقد، لكنني لن اسمح لاحد ان يحول اختلافه مع الرجل الى مبرر لاغتيال رجل صنع لنفسه مكانا في تاريخ السياسة المصرية والعربية. هذه ليست مجاملة لحمدين صباحي، بل شهادة حق في رجل اختلفنا معه كثيرا، لكننا لا نستطيع ان ننكر انه كان دائما حاضرا، ودائما صاحب موقف، ودائما اقرب الى السياسة من اولئك الذين لا يعرفون منها الا موقعهم فيها.