آراء

واقعنا ما بين وجع الناس وشعارات القادة!

72 مشاهدة
واقعنا ما بين وجع الناس وشعارات القادة!

الكاتب : د. بسام سعيد
 
يسألني الكثيرون: كيف يرى الناس الذين يعيشون وينامون في الخيام واقعهم؟ كيف يحتملون حرّ الصيف الذي لا يكاد يُتخيّل، وبرد الشتاء، وسط معاناة مستمرة لا حدود لها؟ كيف يستطيع الإنسان أن يعيش كل هذا الوقت في خيمة، بلا خصوصية، بلا أمان، وبلا أبسط شروط الحياة الطبيعية؟ هل هم مقتنعون بواقعهم؟ هل رضوا به إلى هذه الدرجة؟ هل تكيفوا معه فعلًا، أم أن وراء هذا التكيف الظاهري شيئًا نفسيًا أكثر تعقيدًا؟
ماذا يعني أن يصبح ركوب عربة الكارو وسيلة نقل يومية لإنسان كان بالأمس يعيش حياة مختلفة تمامًا؟ وماذا يعني أن تصطف النساء والرجال في طوابير لقضاء الحاجة في ظروف تنتزع من الإنسان أبسط حقوقه في الخصوصية والكرامة؟ كيف يتحول انتظار الماء والطعام والمساعدة إلى جزء من الروتين اليومي، دون أن نشعر أحيانًا بحجم المفارقة؟
هل هذا رضا؟ أم أنه شيء آخر أكثر قسوة؟
ربما يكون الإنسان قادرًا على التكيف مع كل شيء تقريبًا عندما لا يكون أمامه خيار آخر. فالعقل البشري لا يستطيع أن يعيش في حالة صدمة دائمة؛ ومع استمرار الألم، يبدأ في خفض سقف توقعاته، ويعيد تعريف الحياة الطبيعية بما يتناسب مع قدرته على الاحتمال. ما كان بالأمس إهانة يصبح اليوم ضرورة، وما كان مؤقتًا يتحول إلى نمط حياة، وما كان مرفوضًا يصبح شيئًا عاديًا لأن البديل غير موجود.
مشاهد الحرب والقتل والدمار والنزوح تتكرر، والخسارة تأتي فوق خسارة، حتى يصبح الإنسان عاجزًا عن استيعاب ما يحدث أصلًا. ومع تكرار التجربة، تتجذر في الوعي فكرة بسيطة وقاسية: عالفاضي... ما في فايدة ,عبارات اسمعها كثيرا !!
وهكذا لا يعود الإنسان يسأل: كيف أغير حياتي؟
بل يصبح سؤاله: كيف أعبر هذا اليوم؟
وهنا تكمن الخطورة ، فالاعتياد على المأساة لا يعني بالضرورة الرضا بها. قد يكون مجرد وسيلة نفسية للبقاء. الإنسان الذي لم يعد يصرخ ربما ليس لأنه لم يعد يتألم، وإنما لأنه تعب من الصراخ. والذي ينام في الخيمة ويتحمل الحر والبرد، أو يركب عربة الكارو، أو يقف في طابور لقضاء حاجته، ليس بالضرورة قد فقد كرامته؛ ربما يكون قد اضطر إلى تعليق إحساسه بالإهانة مؤقتًا حتى يستطيع الاستمرار. لكن ماذا يحدث عندما يطول هذا «المؤقت»؟
هنا نبدأ بالدخول إلى منطقة أكثر خطورة: الاغتراب النفسي وفقدان المعيار.  فالإنسان يحتاج إلى معيار يقيس به الطبيعي وغير الطبيعي، المقبول وغير المقبول، الكريم والمهين. وحين تتغير حياته بصورة جذرية، ويعيش طويلًا في ظروف استثنائية، قد يبدأ هذا المعيار نفسه بالانهيار. أن تحصل على وجبة يصبح إنجازًا ، أن تجد ماءً يصبح مكسبًا.
أن تنام ليلة بلا خوف تصبح رفاهية حتى ولو كانت على قارعة الطريق، أن تجد مكانًا لقضاء حاجتك بخصوصية يصبح مطلبًا كبيرًا.
وهكذا ينخفض سقف الحياة تدريجيًا، حتى لا يعود الإنسان يطالب بحياة كريمة، وإنما يطالب فقط بحياة تستمر ، وربما يكون أخطر ما تفعله الحرب بالإنسان ليس أن تأخذ منه بيته أو ماله، وإنما أن تأخذ منه قدرته على تخيل حياته خارج الحرب.
لا أحلام بعيدة، لا مشاريع، لا خطط للمستقبل، ولا شغف بما سيأتي فقط محاولة للعبور من يوم إلى آخر.
لكن الصورة ليست واحدة، وهذا مهم.
ففي الوقت الذي يصل فيه بعض الناس إلى هذه الدرجة من الإنهاك والتبلد، هناك من يحاول أن يقاوم ويبحث عن فرصة، وهناك من يحاول التربح من المأساة، وهناك من وجد في المساعدات موردًا دائمًا، وربما أصبح استمرار الأزمة بالنسبة إليه مصدر رزق أو نفوذ ، وهنا تظهر مفارقة مؤلمة.
الحرب لا تنتج فقط ضحايا؛ أحيانًا تنتج أيضًا مستفيدين من استمرار حالة الضحية. و الأزمات الطويلة تخلق اقتصادًا ومصالح وشبكات من الاعتماد تجعل الخروج منها أكثر تعقيدًا. فهناك من يريد انتهاء المأساة لأنه يدفع ثمنها، وهناك من تعلم كيف يعيش عليها، وهناك من وجد فيها فرصة، وهناك من لم يعد يعرف كيف ستكون حياته إذا انتهت المساعدات.
وهنا يصبح السؤال أكبر من سؤال الخيمة والطعام والماء.
ماذا يحدث للمجتمع عندما يصبح الاعتماد على المساعدة نمط حياة ممتدًا بلا أفق؟ وماذا يحدث للإنسان عندما يفقد الإحساس بأنه قادر على صناعة مستقبله بيده؟ لكن المفارقة الأكثر إيلامًا أن الأمر لا يتوقف عند الناس وحدهم.
فإذا تأملنا سلوك القادة وتصريحاتهم، ومن يملكون زمام القرار، سنجد أن بعضهم يبدو هو الآخر أسيرًا للفكرة ذاتها: خطاب عاجز، وشعارات كبيرة، وتبرير دائم، وإعادة تدوير للمستحيل، وكأن الواقع قدر محتوم لا يمكن تغييره وإدارة الأزمة تتحول إلى إدارة انتظار. والخطاب السياسي يتحول إلى طقس يومي ، والشعارات تصبح بديلًا عن الفعل.
وكأن المطلوب من الناس أن يصبروا إلى ما لا نهاية، بينما لا أحد يجيبهم: إلى متى؟ وإلى أين؟
ناسٌ يتكيفون مع العجز لأنهم لا يملكون خيارًا، وقياداتٌ قد تتكيف مع العجز لأنها لا تريد دفع ثمن التغيير.
وبين الطرفين يتسع الفراغ.
الناس تدفع الثمن، والقادة يشرحون الأسباب، والواقع يتغير على الأرض لمصلحة من يستطيع استثمار هذا العجز وتوظيفه.
فإلى متى نبقى أسرى لهذا الدوران؟
متى نمتلك شجاعة الاعتراف بالواقع كما هو، لا كما نريد أن يكون؟
متى نتحرر من العناد والشعارات، ونتوقف عن مطالبة الناس بمزيد من الصبر بينما تتآكل قدرتهم على الاحتمال؟ ومتى ننزل إلى الأرض، إلى الخيمة، إلى عربة الكارو، إلى طوابير الماء وقضاء الحاجة، إلى وجع النساء والأطفال والرجال، لا لنلتقط الصور ونصف المأساة او لتنفعنا ايام الانتخابات ، وإنما لنسأل: كيف نعيد لهذا الإنسان إحساسه بأنه إنسان؟
فإعادة الإعمار لا تعني إعادة بناء البيوت والشوارع فقط.
نحن بحاجة إلى إعادة بناء المعيار الذي تهدم داخل الإنسان؛ أن يستعيد إحساسه بأن الخصوصية حق، والكرامة حق، والعمل حق، والحلم حق، وأن المساعدة حالة طارئة وليست قدرًا أبديًا، وأن الخيمة ليست وطنًا، وعربة الكارو ليست مستقبلًا، وطابور قضاء الحاجة ليس حياة طبيعية. نحتاج إلى أن يستعيد الإنسان شغفه بالحياة، وأن يستطيع مرة أخرى أن يحلم بما هو أبعد من وجبة اليوم وخيمة الغد.
نحتاج إلى من يمتلك شجاعة الخروج من دائرة العجز، وأن يقول بوضوح: نعم، هذا هو الواقع لكنه ليس قدرًا أبديًا.

 أكاديمي وكاتب