آراء

تقدير موقف استراتيجي: إعادة تشكل مراكز القوة في الساحة الفلسطينية وتحديات إعادة بناء النظام السياسي ووحدة القرار

56 مشاهدة
تقدير موقف استراتيجي: إعادة تشكل مراكز القوة في الساحة الفلسطينية وتحديات إعادة بناء النظام السياسي ووحدة القرار


الكاتب:د. محمد جبريني
الملخص التنفيذي
تشهد الساحة الفلسطينية مرحلة متقدمة من إعادة التموضع السياسي وإعادة توزيع عناصر التأثير، في ظل تزامن مجموعة من التحولات والضغوط: تداعيات الحرب على قطاع غزة، وتصاعد الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتفاقم الأزمة المالية والاقتصادية للسلطة الوطنية، واستمرار الانقسام، وتراجع الثقة بالقوى والمؤسسات السياسية، والاستحقاقات الانتخابية المعلنة، والحاجة إلى تجديد الشرعية وضمان استمرارية المؤسسات.
وتشير الحوارات والاتصالات الفلسطينية الأخيرة، وخصوصاً تلك التي تستضيفها القاهرة، إلى إدراك متزايد لدى الأطراف المختلفة بأن استمرار العلاقات وموازين القوى بصورتها السابقة أصبح أكثر صعوبة، وأن المرحلة المقبلة قد تفتح المجال أمام تفاهمات وتحالفات وإعادة ترتيب للعلاقات داخل القوى السياسية وفيما بينها.
ولا يعني ذلك أن خريطة القوى قد تغيرت بصورة نهائية؛ فالأوزان لا تزال متحركة والتحالفات لم تستقر. كما أن تعدد مراكز القوة ليس في ذاته ظاهرة سلبية في نظام سياسي تعددي. الخطر يبدأ عندما يتحول تعدد مصادر القوة والتأثير إلى تعدد في الشرعيات والسلطات والقرار خارج إطار مؤسسي وطني واحد.
ومن هنا، فإن التحدي الاستراتيجي لا يتمثل في تحديد أي طرف يتقدم وأي طرف يتراجع، وإنما في قدرة النظام السياسي الفلسطيني على استيعاب التعدد وإعادة تنظيم المنافسة داخله من خلال المؤسسات والانتخابات ومنظمة التحرير والقانون.
وبناءً عليه، يرجح في المدى القريب استمرار التفاهمات الجزئية وإدارة التنافس، مع بقاء إمكانية الانتقال إلى توافق وطني أوسع، وفي المقابل استمرار خطر اتساع الانقسام وإضعاف المؤسسات إذا تزامن فشل الحوارات والانتخابات مع تصاعد الإجراءات الإسرائيلية والأزمة الداخلية.
أولاً: الموقف
تمر القضية الفلسطينية بمرحلة تتقاطع فيها تحولات داخلية وضغوط خارجية غير مسبوقة.
ففي قطاع غزة، تطرح تداعيات الحرب قضايا الحكم والإعمار والأمن والمساعدات ومستقبل علاقة القطاع بالنظام السياسي الفلسطيني.
وفي الضفة الغربية، تتصاعد السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالاستيطان ومصادرة الأراضي وإجراءات الضم، إلى جانب الضغوط المالية والأمنية على السلطة الوطنية، بما يضعف قدرتها على أداء وظائفها ويهدد فرص تجسيد الدولة الفلسطينية.
وفي الساحة الفلسطينية، تستمر أزمة الشرعية والانقسام وتراجع الثقة بالقوى والمؤسسات، بينما أدى الإعلان عن الانتخابات التشريعية إلى تحريك المشهد وإعادة فتح ملفات التحالفات والتمثيل واختيار المرشحين.
وفي الوقت ذاته، تشهد العلاقات بين القوى الفلسطينية حركة متزايدة من الاتصالات والحوارات، بما في ذلك محاولات معالجة الانقسامات داخل الساحة الفتحاوية، والحوار بين فتح وحماس، والتواصل مع فصائل منظمة التحرير والجهاد الإسلامي والقوى الوطنية والمستقلة.
ولا تعكس هذه التطورات تسوية مكتملة، وإنما تشير إلى بداية إعادة تموضع في بيئة سياسية لم تعد قادرة بسهولة على الاستمرار وفق قواعد المرحلة السابقة.
ثانياً: ما الذي يتغير في خريطة القوة الفلسطينية؟
لا يكفي تحليل المشهد من خلال أسماء القوى والقيادات؛ فالسؤال الأكثر أهمية هو:
أين توجد القوة في النظام الفلسطيني، وكيف تتغير مصادرها؟
تقليدياً، ارتبط الجزء الأكبر من القوة السياسية بالموقع الرسمي داخل منظمة التحرير والسلطة الوطنية، وبالقدرة التنظيمية للفصائل الكبرى.
لكن البيئة الحالية تشير إلى اتساع مصادر التأثير لتشمل:
الشرعية المؤسسية، والقوة التنظيمية، والقدرة الانتخابية، والقبول الشعبي، والحضور الميداني، والموارد الاقتصادية والاجتماعية، والعلاقات العربية والدولية، والقدرة على التأثير في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات.
وبذلك أصبحت القوة أكثر توزيعاً وأقل ارتباطاً بمركز واحد.
ولا يعني هذا بالضرورة انتقال مركز القرار من جهة إلى أخرى، وإنما يعني أن القدرة على إنتاج القرار وتنفيذه أصبحت أكثر اعتماداً على التوافق بين مصادر متعددة للقوة والتأثير.
وهذه هي نقطة التحول الأساسية في المشهد الحالي.
ثالثاً: حركة فتح وتحدي وحدة القرار
تبقى حركة فتح القوة المركزية داخل منظمة التحرير والسلطة الوطنية، ولذلك فإن وحدتها الداخلية لا تمثل قضية تنظيمية فقط، وإنما عاملاً مؤثراً في استقرار النظام السياسي بأكمله.
وتواجه الحركة تحديين متزامنين:
المحافظة على وحدة القيادة ومركز القرار، واستيعاب التعدد والمنافسة داخل الحركة وفي محيطها السياسي.
وتتوزع داخل بنية الحركة والسلطة أدوار سياسية وتنظيمية ومؤسسية متعددة، ويكمن الاختبار الحقيقي في قدرتها على التكامل ضمن المؤسسات، بدلاً من تحولها إلى مراكز نفوذ متنافسة.
وفي هذا السياق، تكتسب الاتصالات بين حركة فتح والتيار الإصلاحي، الذي تشكل خارج الأطر التنظيمية، أهمية باعتبارها جزءاً من حراك أوسع لإعادة ترتيب العلاقات داخل الساحة الفلسطينية.
ولا ينبغي تضخيم هذا المسار أو افتراض نتائجه مسبقاً؛ فهو أحد مسارات المشهد إلى جانب وحدة قيادة فتح، والعلاقة مع القوى الفلسطينية الأخرى، والانتخابات، وإصلاح المؤسسات.
والتحدي الأهم بالنسبة للحركة هو إعادة المنافسة والتعدد إلى إطار مؤسسي قادر على تنظيمهما، بحيث لا تتحول الاختلافات إلى انقسامات جديدة تؤثر في النظام السياسي بأكمله.
رابعاً: إعادة ترتيب العلاقات بين القوى الفلسطينية
لا تقتصر عملية إعادة التموضع على حركة فتح.
فالانقسام بين فتح وحماس ما زال أحد أبرز مصادر ضعف النظام السياسي، بينما جعلت تطورات قطاع غزة استعادة وحدة الحكم والمؤسسات أكثر إلحاحاً.
وفي الوقت نفسه، تمثل فصائل منظمة التحرير جزءاً أصيلاً من النظام السياسي والمرجعية الوطنية، فيما يشكل الجهاد الإسلامي مكوناً ينبغي أخذه في الاعتبار في أي حوار وطني شامل.
كما تتسع المساحة أمام القوى الوطنية والمستقلين والفعاليات المجتمعية في ظل تراجع الثقة بالأطر التقليدية.
ومن هنا، فإن إعادة بناء النظام السياسي لا يمكن أن تقوم على تفاهم ثنائي أو على إعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى فقط، وإنما تحتاج إلى عملية وطنية أوسع تعيد تنظيم المشاركة السياسية داخل المؤسسات وعلى أساس الشرعية والقانون.
خامساً: غزة ووحدة النظام السياسي
يمثل مستقبل قطاع غزة أحد أكثر المتغيرات تأثيراً في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
فإدارة الإعمار والمساعدات والأمن والحكم ستنتج بالضرورة ترتيبات ومؤسسات وعلاقات جديدة، ويمكن لهذه العملية أن تسير في اتجاهين مختلفين:
إما أن تصبح مدخلاً لاستعادة وحدة النظام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، أو أن تنتج واقعاً إدارياً وسياسياً منفصلاً يعمق الانقسام.
ومن هنا فإن المعيار الاستراتيجي لتقييم أي ترتيبات تخص غزة ينبغي ألا يقتصر على قدرتها على إدارة المرحلة الإنسانية أو إعادة الإعمار، وإنما على مدى مساهمتها في إعادة القطاع إلى نظام سياسي وقانوني ومؤسسي فلسطيني واحد.
ويجعل ذلك وحدة الحكم قضية استراتيجية تتجاوز المصالحة الفصائلية إلى مستقبل الدولة الفلسطينية نفسها.
سادساً: الانتخابات وإعادة توزيع الشرعية
أدى الإعلان عن الانتخابات التشريعية إلى تحريك القوى والتيارات والشخصيات وإعادة تقييم التحالفات والأوزان والقدرات الانتخابية.
ومن هنا، لا تقتصر أهمية الانتخابات على نتائجها المحتملة.
فإذا أجريت، فإنها يمكن أن تعيد توزيع التمثيل السياسي وتجدد جانباً أساسياً من الشرعية وتعيد المنافسة إلى المؤسسات.
أما إذا تعثرت، فإن دينامية إعادة التموضع والتحالفات التي أطلقتها قد تستمر، وربما تتحول إلى منافسة سياسية خارج المؤسسات.
ولهذا فإن الانتخابات تمثل فرصة لإعادة تنظيم التنافس على القوة والشرعية داخل النظام السياسي، وليس مجرد استحقاق لتحديد عدد المقاعد التي تحصل عليها كل قوة.
سابعاً: منظمة التحرير وإعادة بناء المرجعية الوطنية
تمثل منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، الإطار الطبيعي لإعادة تنظيم التعدد السياسي واستعادة المرجعية الوطنية الجامعة.
ولا ينبغي اختزال إصلاح المنظمة في إعادة توزيع المقاعد بين الفصائل أو إدخال قوى جديدة إلى مؤسساتها.
فالمطلوب هو إعادة تفعيل مؤسساتها وتعزيز المشاركة وصناعة القرار والرقابة، وإعادة الربط بين الفلسطينيين في الوطن والشتات.
ومن هنا يمكن أن يشكل إصلاح منظمة التحرير نقطة الالتقاء بين ثلاثة مسارات:
إنهاء الانقسام، وتجديد الشرعية، وإعادة بناء النظام السياسي.
وبذلك تصبح المنظمة إطاراً لتنظيم التعدد بدلاً من أن تبقى التعددية الفلسطينية موزعة بين مؤسسات وقوى ومرجعيات متوازية.
ثامناً: العامل المجتمعي ومصدر الشرعية الجديد
لا ينبغي افتراض أن إعادة تشكيل مراكز القوة ستجري حصراً بين القوى السياسية القائمة.
فتراجع مستويات الثقة بالمؤسسات والفصائل التقليدية يمكن أن يفتح المجال أمام قوى وشخصيات مستقلة، وقوائم محلية، وفعاليات مجتمعية وشبابية ومهنية، أو يؤدي في المقابل إلى اتساع العزوف عن المشاركة السياسية.
وهذا يعني أن المجتمع نفسه يمكن أن يصبح عاملاً مؤثراً في إعادة توزيع القوة، خاصة إذا أجريت الانتخابات.
ومن هنا ينبغي التمييز بين القوة التنظيمية القائمة والشرعية الشعبية المتغيرة.
فقد تحتفظ قوة سياسية بمؤسسات وتنظيم واسع، بينما تتراجع قدرتها على الحصول على ثقة المواطنين، والعكس صحيح.
وبالتالي فإن أي عملية لإعادة بناء النظام السياسي لا تأخذ اتجاهات المجتمع في الاعتبار ستظل معرضة لأزمة شرعية حتى إذا نجحت في إنتاج تفاهم بين القوى السياسية.
تاسعاً: إسرائيل وإعادة توزيع القوة الفلسطينية
لا تمثل السياسة الإسرائيلية مجرد عامل خارجي ضاغط على النظام السياسي الفلسطيني؛ إذ يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في توزيع القوة داخله.
فاستمرار إضعاف السلطة مالياً، وتقليص قدرتها على تقديم الخدمات ودفع الرواتب، وتقييد حركتها، وتصاعد الاستيطان وعنف المستوطنين، يمكن أن يؤدي تدريجياً إلى إضعاف حضور المؤسسة الرسمية في المجتمع.
وفي حال اتساع هذا الضعف، قد تنتقل بعض وظائف القوة والتأثير إلى تنظيمات أو قوى محلية أو شبكات اجتماعية أو مجموعات مسلحة أو أطراف تستفيد من دعم خارجي.
ومن هنا فإن إضعاف السلطة لا يعني بالضرورة اختفاء السلطة فقط، وإنما يمكن أن يؤدي إلى إعادة توزيع غير منظم للقوة داخل المجتمع الفلسطيني.
وهذا يجعل المحافظة على المؤسسات الفلسطينية وإصلاحها وتعزيز قدرتها على الصمود قضية وطنية تتجاوز الدفاع عن السلطة بصورتها الحالية.
عاشراً: العامل العربي والإقليمي والدولي
تؤدي مصر دوراً مهماً في استضافة الحوارات الفلسطينية وتسهيل التواصل بين الأطراف، بحكم موقعها وعلاقتها بالقوى المختلفة وارتباطها المباشر بقطاع غزة.
ويرتبط الأردن بصورة مباشرة باستقرار الضفة الغربية ومستقبل القضية الفلسطينية، فيما تمتلك دول عربية وإقليمية أخرى أدوات سياسية واقتصادية وعلاقات متفاوتة مع القوى الفلسطينية.
كما تؤثر الولايات المتحدة وإسرائيل بصورة كبيرة في البيئة السياسية والأمنية المحيطة بأي ترتيبات فلسطينية.
وقد كان للعامل الإقليمي في مراحل سابقة تأثير في التوازنات الفلسطينية، الأمر الذي يجعل المحافظة على استقلالية القرار الوطني مسألة أساسية في المرحلة المقبلة.
فالقاعدة الحاكمة ينبغي أن تكون:
الدعم العربي والدولي مطلوب، لكن إعادة بناء النظام السياسي وشرعيته وقيادته يجب أن تبقى عملية فلسطينية.
الحادي عشر: السيناريوهات ومحركات الانتقال بينها
السيناريو الأول: توافق وطني متدرج
تتقدم الحوارات داخل القوى وبينها، ويتم الحفاظ على وحدة المؤسسات، بالتزامن مع تقدم الانتخابات وإصلاح منظمة التحرير واستعادة وحدة الحكم.
محركاته: نجاح الانتخابات، تفاهم حول غزة، توافق فتحاوي داخلي، ودعم عربي منسق للمصالحة والإصلاح.
النتيجة: انتقال تدريجي نحو نظام سياسي أكثر وحدة وشرعية.
السيناريو الثاني: تفاهمات جزئية وإدارة التنافس
تنجح القوى في احتواء بعض الخلافات وبناء تفاهمات مرحلية، مع بقاء القضايا الأساسية دون حل نهائي.
محركاته: حاجة الأطراف إلى تجنب المواجهة، وعدم قدرة أي منها على الحسم، واستمرار الوساطات العربية.
النتيجة: المحافظة على قدر من الاستقرار دون معالجة كاملة لأزمة النظام.
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب.
السيناريو الثالث: إعادة تشكيل التحالفات
تتعثر المصالحة الشاملة بينما تستمر الاستعدادات الانتخابية، فتظهر تحالفات وقوائم تتجاوز بعض الاصطفافات التقليدية.
محركاته: المنافسة الانتخابية، تراجع الثقة بالقوى التقليدية، وعدم نجاح التفاهمات الداخلية.
النتيجة: إمكانية ظهور تعددية جديدة، مع خطر زيادة الانقسام إذا بقيت المنافسة خارج إطار مؤسسي مستقر.
السيناريو الرابع: اتساع الانقسام وضعف المؤسسات
تتعثر الانتخابات والحوارات بالتزامن مع تفاقم الأزمة المالية وتصاعد الإجراءات الإسرائيلية والمنافسة الداخلية.
محركاته: انهيار التفاهمات، تعطل الانتخابات، تراجع قدرة السلطة على أداء وظائفها، وتصعيد إسرائيلي واسع.
النتيجة: تراجع قدرة المؤسسات على ضبط المجال السياسي واتساع مراكز القرار غير الرسمية وزيادة التدخلات الخارجية.
وهو السيناريو الأكثر خطورة.
الثاني عشر: مؤشرات المتابعة والإنذار المبكر
ينبغي متابعة:
* مستوى تماسك حركة فتح وقيادتها ووحدة القرار داخلها.
* تطور العلاقة بين فتح والتيار الإصلاحي.
* مسار الحوار بين فتح وحماس وبقية القوى.
* مواقف فصائل منظمة التحرير والجهاد الإسلامي.
* طبيعة الترتيبات المتعلقة بمستقبل قطاع غزة.
* مسار الانتخابات والتحالفات والقوائم المحتملة.
* اتجاهات الرأي العام ومستويات الثقة بالمؤسسات والقوى السياسية.
* خطوات إصلاح وتفعيل منظمة التحرير.
* قدرة السلطة الوطنية على الاستمرار في أداء وظائفها ودفع التزاماتها.
* اتجاه السياسة الإسرائيلية تجاه السلطة والضفة الغربية والانتخابات.
* المواقف والتحركات العربية والإقليمية والدولية.
* ظهور قوى أو تحالفات سياسية ومجتمعية جديدة خارج الاصطفافات التقليدية.
التقدير الاستراتيجي
تشير المعطيات إلى أن الساحة الفلسطينية دخلت مرحلة إعادة توزيع تدريجي لعناصر القوة والتأثير، لكن من المبكر اعتبار أن خريطة جديدة للقوة قد استقرت.
فالتحالفات لا تزال متحركة، والانتخابات تواجه تحديات، ومستقبل غزة لم يحسم، بينما تتعرض مؤسسات السلطة لضغوط متزايدة.
والتحول الأهم لا يتمثل في صعود طرف أو تراجع آخر، وإنما في أن القوة السياسية أصبحت موزعة بين مصادر متعددة، ولم يعد الموقع الرسمي وحده كافياً لضمان القدرة على صناعة القرار أو تنفيذ السياسات.
وفي الوقت ذاته، فإن تعدد مصادر القوة لا يمثل مشكلة في ذاته، بل يمكن أن يكون أساساً لنظام سياسي تعددي وديمقراطي.
لكن الخطر ينشأ عندما تتحول هذه التعددية إلى تعدد في الشرعيات والسلطات ومصادر القرار خارج الإطار المؤسسي الوطني.
وفي المدى القريب، يرجح استمرار التفاهمات الجزئية وإدارة التنافس، بينما سيعتمد الاتجاه اللاحق بصورة أساسية على أربعة متغيرات:
مسار الانتخابات، ومستقبل غزة، وقدرة فتح على المحافظة على وحدتها، وقدرة السلطة الوطنية على الصمود أمام الضغوط الإسرائيلية والمالية.
الخلاصة والتوجه الاستراتيجي
لا تتمثل الأولوية الفلسطينية في منع تعدد مراكز القوة؛ فهذا التعدد طبيعي في أي نظام سياسي ويعكس تنوع المجتمع والقوى السياسية.
الأولوية هي منع تحول تعدد مراكز القوة إلى تعدد في الشرعيات والسلطات والقرار.
ويقتضي ذلك إعادة إدماج التنافس السياسي داخل المؤسسات، وتنظيمه من خلال الانتخابات والقانون ومنظمة التحرير، واستعادة وحدة الحكم بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
ومن هنا ينبغي توجيه التحركات الحالية نحو أربعة أهداف استراتيجية مترابطة:
تجديد الشرعية، وحدة الحكم، الإصلاح المؤسسي، وبناء مؤسسات الدولة.
ويعني ذلك أن معالجة الانقسامات داخل القوى السياسية ينبغي أن تخدم الوحدة الوطنية، وأن المصالحة يجب أن تنتهي إلى وحدة المؤسسات لا مجرد تفاهم بين القوى، وأن الانتخابات ينبغي أن تعيد القرار إلى المواطن، وأن إصلاح منظمة التحرير يجب أن يعيد تفعيل المرجعية الوطنية الجامعة.
كما يتطلب ذلك التعامل مع إضعاف السلطة باعتباره تهديداً للنظام السياسي والمشروع الوطني، وليس مجرد أزمة تخص مؤسسة أو قيادة بعينها، لأن انهيار قدرة المؤسسة الرسمية يمكن أن يفتح المجال أمام انتقال غير منظم للقوة وظهور سلطات ومرجعيات موازية.
والتقدير المركزي هو أن الساحة الفلسطينية تقف أمام مرحلة يمكن أن تقود إلى أحد اتجاهين: إعادة تنظيم تعدد القوى ضمن نظام سياسي موحد ومتجدد الشرعية، أو اتساع الانقسام وتعدد المرجعيات والسلطات في ظل استمرار الضغوط الداخلية والإسرائيلية والخارجية.
وعليه، فإن الأولوية الاستراتيجية ينبغي أن تكون إعادة بناء الإطار المؤسسي الذي تنتظم داخله القوى الفلسطينية، لا إعادة ترتيب القوى ذاتها؛ بحيث تصبح المنافسة على السلطة جزءاً من النظام، لا بديلاً عنه، وتتحول التعددية من مصدر للانقسام إلى مصدر للقوة، ضمن قرار وطني موحد ومؤسسات قادرة على حماية المشروع الوطني والتقدم نحو تجسيد دولة فلسطين.